ثم أخذ في نزع ثيابه، مصيخاً لتيمور وما يصدر من جوابه، ففكك أزراره، وقال لنفسه إنما أنت عاره، وكأس الموت لابد من شربها، فسواء ما بين بعدها وقربها، والموت على الشهادة، من أفضل العبادة، وأحسن أحوالها لمن اعتقد أنه إلى الله صائر، كلمة حق عند سلطان جائر، فسأل ما يفعل، هذا المهمل، فقال يا مولانا الجليل، إن فرق عساكرك كأمم بني إسرائيل، وفيهم من ابتدعوا بدعا وتقطعوا في مذاهبهم قطعا، وفرقوا دينهم وكانوا شيعا، ولا شك أن مجالس حضرتك تنقل، وعقائل مباحثها تحل الصدور فتعقل، وإذا ثبت هذا الكلام عني، ووعاه أحد غير سني، خصوصاً من ادعى موالاة علي، وتسمى في رفضه أبا بكر بالرافضي، وتحقق مني يقيني، وأنه لا ناصر لي يقيني، فإنه يقتلني جهارا، ويريق دمي نهارا، وإذا كان كذلك فأنا أستعد لهذه السعادة، وأختم أحكام القضاء بالشهادة، فقال لله هذا! ما أفصحه! وأجرأه في الكلام وأوقحه، ثم نظر إلى القوم، وقال لا تدخلن هذا علي بعد اليوم " فصل " وهذا الرجل أعني عبد الجبار كان عالم تيمور وإمامه، وممن يخوض في دماء المسلمين أمامه، وكان عالماً فاضلا، فقيهاً كاملا، بحاثاً محققاً، أصولياً جدلياً مدققاً، وأبوه النعمان في سمرقند كان، وهو في الفروع من أعلم أهل الزمان، حتى كان يقال له النعمان الثان، وكان من القائلين بعدم الرؤية في الأخرى، فأعمى الله تعالى بصره كبصيرته في الدنيا، وأكثر علماء عصره بما وراء النهر قرأ عليه الفروع، ونقل عنه مسائل المشروع، ولا خلاف في الفروع بين أهل السنة وأهل الاعتزال، وإنما اختلافهم في أصول الدين في مسائل معدودة سلكوا فيها سبيل الضلال " فصل " وتصدى لاستخلاص الأموال من أهل الشام، كل غشوم ظلام، وكفور صدام، ومن كان في قلة وفاقه، كصدقة بن الجابي وابن المحدث وعبد الملك ابن التكريتي المنبوذ بسماقة، وغيرهم من نظائرهم، من عواقب الظلم وأبنائهم، مع حضور أكابر المدينة وأعيانها، المار ذكرهم ورؤساء قطانها، فإنه لم يمكنهم في ذلك أن يتخلفوا، ولا يتقاعسوا لحظة ولا يتوقفوا، وبحضور دواوينه وحسابه، وضابطي أمور خزائنه وكتابه، ومنهم خواجه مسعود السمناني، ومولانا عمر وتاج الدين السلماني، كل ذلك في دار الذهب وهو مكان مشهور، ونزل الله داد داخل باب الصغير، في دار ابن مشكور، وجعل كل من في قبيلته من أحد ضغينة، أو سخيمة دفينة، أو غل أو حسد أو حقد أو نكد يغمز على إخوته أولئك الظلمة الفظاظ، والزبانية الشداد الغلاظ وجعلوا
لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا
بل بأدنى إشارة، وأقل عبارة، يبنون على أرض وجود ذلك المسكين من جبال النكال قصور شواهق، وينشئون على حدائق ذاته من سماء العذاب سحاب عقاب ترعد عليه صواعق، وتبرق منه من الدمار والبوار بوارق " فصل " ثم إنه صار في هذه المدة، يحاصر القلعة ويعد لها ما استطاع من عدة، وأمر أن يبني مقابلها بناء يعلوها، ليصعدوا عليها فيهدوها، فجمعوا الأخشاب والأحطاب وعبوها وصبوا فوقها الأحجار والتراب ودكوها، وذلك من جهة الشمال والغرب، ثم علوا عليها وناوشوها الطعن والضرب، وفوض أمر الحصار لأمير من أمرائه الكبار، يدعى جهان شاه، فتكفل بذلك وعاناه، ونصب عليه المجانيق، ونقب تحتها وعلقها والتعاليق، وكان فيها من المقاتلة، فئة غير طائلة، أمثلهم شهاب الدين الزردكاش الدمشقي وشهاب الدين أحمد الزردكاش الحلبي، فأبليا في إهلاك عسكره بلاء حسنا، وكان على جيشه كلما فاء إلى فنائهم وباء مصيبة وفنا، فأهلكا من جيشه بالإحراق، وإرعاد المدافع والإبراق، ما فات العد، وتبدد على دائرة الحد ولكنه لما أحاط بها من بحار بحريته سيل عرم سائلها، وأمطر عليها من سهام غمام رماته وصواعق بوارق كماته صيب وابلها، أتاها العذاب من فوقها ومن تحتها وعن أيمانها وعن شمائلها، وكلت عن المجاذبة والمنابذة أيدي مقاتلتها