وأعاد السؤال عن علي ومعاوية، فقلت له لا شك أن الحق كان مع علي وليس معاوية من الخلفاء، فإنه صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الخلافة بعدي ثلاثون سنة وقد تمت بعلي، فقال تمرلنك قل علي على حق ومعاوية ظالم، قلت قال صاحب الهداية يجوز تقليد القضاء من ولاة الجور، فإن كثيراً من الصحابة والتابعين تقلدوا القضاء من معاوية، وكان الحق مع علي في نوبته، فانسر لذلك وطلب الأمراء الذين عينهم للإقامة بحلب، وقال إن هذين الرجلين نزول عندكم بحلب، فأحسنوا إليهما وإلى ألزامهما وأصحابهما ومن ينضم إليهما، ولا تمكنوا أحداً من أذيتهما، ورتبوا لهم علوفة، ولا تدعوهما في القلعة بل اجعلوا إقامتهما في المدرسة يعني السلطانية التي تجاه القلعة ففعلوا ما أوصاهم به إلا أنهم لم ينزلونا من القلعة وقال لنا الذي ولي الحكم منهم بحلب وكان يدعى الأمير موسى بن جاجي طغاي إني أخاف عليكما، والذي فهمته من سياق كلام تمرلنك أنه إذا أمر بسوء فعل بسرعة ولا يحيد عنه، وإذا أمر بخير فالأمر فيه لمن وليه وفي أول يوم من ربيع الآخر برز إلى ظاهر البلد متوجهاً نحو دمشق، وثاني يوم أرسل يطلب علماء البلد فرحنا إليه والمسلمون في أمر مريج وقطع رؤوس فقلنا ما الخبر؟ فقيل أن تمرلنك أرسل يطلب من عسكره رؤوساً من المسلمين على عادته التي كان يفعلها في البلاد التي أخذها، فما وصلنا إليه جاءنا شخص من علمائه يقال له المولى عمر، فسألناه عن طلبنا فقال يريد يستفتيكم في قتل نائب دمشق الذي قتل رسوله فقلت هذه رؤوس المسلمين تقطع وتحضر إليه بغير استفتاء وهو حلف ألا يقتل منا أحداً قصداً، فعاد إليه ونحن ننتظره وبين يديه لحم سليق في طبق يأكل منه فتكلم معه يسيراً، ثم جاء إلينا شخص بشيء من ذلك اللحم، فلم نفرغ من أكله إلا وزعجة قائمة وتمرلنك صوته عال، وساق شخص هكذا أو آخر هكذا، وجاءنا أمير يعتذر ويقول إن سلطاننا لم يأمر بإحضار رؤوس المسلمين، وإنما بقطع رؤوس القتلى وأن يجعل منها قبة إقامة لحرمته على جري عادته ففهموا منه غير ما أراد وأنه قد أطلقكم فأمضوا حيث شئتم، وركب تمرلنك من ساعته وتوجه نحو دمشق، فعدنا إلى القلعة ورأينا المصلحة في الإقامة بها، وأخذ الأمير موسى - احسن الله إليه - في الإحسان إلينا، وقبول شفاعتنا، وتفقد أحوالنا مدة إقامته بحلب وقلعتها وتجيئنا الأخبار أن سلطان المسلمين الملك الناصر فرج قد نزل إلى دمشق، وأنه كسر تمرلنك، ومرة تجيء بالعكس إلى أن انجلت القضية عن توجه السلطان إلى مصر بعد أن قاتل مع تمرلنك قتالاً عظيماً، أشرف تمرلنك منه على الكسر والهزيمة، وإنما حصل من بعض أمرائه خيانة كان ذلك سبب توجهه آخذاً بالحزم، ودخل تمرلنك إلى دمشق ونهبها وأحرقها، وفعل فيها فوق ما فعل بحلب، ولم يدخل طرابلس بل أحضر له منها مال، ولا جاوز فلسطين وعاد نحو حلب طالباً بلاده ولما كان سابع عشر شعبان من السنة المذكورة وصل تمرلنك عائداً من الشام إلى الجبول شرقي حلب، ولم يدخلها، بل أمرالمقيمين بها من جهته بتخريبها وإحراق المدينة ففعلوا، وطلبني الأمير عز الدين وكان من أكبر أمرائه وقال إن الأمير رسم بإطلاقك وإطلاق من معك، فاطلب من شئت وأكثر لأروح معكم إلى مشهد الحسين وأقيم عندكم حتى لا يبقى من عسكرنا أحد وكان القاضي شرف الدين لا يفارقني، فطلبنا باقي القضاة واجتمع معنا نحو من ألفي مسلم، وتوجهنا إلى مشهد الحسين المشار إليه، وأقمنا ننظر إلى النار وهي تضرم في أرجائها، وبعد ثلاثة أيام لم يبق بها أحد، فنزلنا إليها فلم نر أحدا فاستوحشنا وما قدرنا على الإقامة بها من النتن والوحشة، ولم نقدر على السلوك في الطرقات
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
وكانت نواب بلاد الشام معه مأسورين وانفلتوا أولاً بأول، ومات سودون بالبطن معه في قبة يلبغا، واستقر في نيابة دمشق تغري بردي والله أعلم هذا ما نقلته من كلام ابن الشحنة كما وجدته
ذكر ورود هذا الخبر الذي أقلق
ووصول أسنبغا الدوادار وعبد القصار إلى جلق