فانظر إلى من نهى وأمر، ثم مضى وغبر، ولا تكن ممن طغى وفجر، وتولى وكفر، واقنع بهذا الخطاب، عن الجواب، واعط القوس باريها، واترك الدار لبانيها، وتولى الله ورسوله والذين آمنوا وإلا فأنت ممن تولى في الأرض ليفسد فيها، فإني إذ ذاك أمشي عليك، وأضرب على يديك وأمنعك من السعي في الفساد بأن أسوي بين رجليك، مع قلة آداب كثيرة، وعبارات ذنوبها كبيرة فلما وقف تيمور على هذا الكتاب، وجه إلى تبريز عنان الركاب، وكان عند أميران شاه من المعتدين، جماعة سعوا في الأرض مفسدين، منهم قطب المواصيلي أعجوبة الزمان الدوار، وأستاذ علم الموسيقا والأدوار، إذا استنطق اليراعة أسكت أهل البراعة، وإذا وضع الناي بفيه، سحق عود إسحاق وأبيه، وإن أخذ في الأغاني أغنى عن الغواني، تقول النفس لنفسه الرخيم خفف عني أيني، فتشير براعته بالإصبع وتقول على عيني، ثم ينفخ فيها الروح، فيشفي كل قلب مجروح، ويداوي كل فؤاد مقروح، فإن أقامت قامتها الرشيقة راقصة في سماعها، يحنى الجنك ظهره خاضعاً لطيب استماعها، وإن فتحت فاها لتقرئ أسماع القلوب ألحانه، يميل العود عنقه مصغياً إليها عاركاً بأنامل الأدب آذانه قيل إنه كان يؤدي جميع الأنغام الفروع والمركبات والشعب والأصول، من كل ثقب من أثقب الموصول، وله مصنفات في أدوار المقامات، وجرى بينه وبين الأستاذ عبد القادر المراغي مباحثات، وكان أميران شاه به مغرماً، يعد صحبته والعشرة معه مغنماً وكان تيمور لا يعجبه العجب، ولا يستهويه اللهو والطرب، فقال إن القطب أفسد عقل أميران شاه، كما أفسد عبد القادر أحمد ابن الشيخ أويس وأطغاه، فوصل ذلك الطاغ، سابع عشر شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثمانمائة إلى قراباغ، فأناخ بها ركابه، وأراح بها دوابه، وضبط ممالك أذربيجان، وقتل أولئك المفسدين وأهل العدوان، ولم يتعرض لأميران شاه، لأنه ولده وهو أنشأه، وبينهما أمور متشابهات لا يعلم تأويلها إلا الله ثم توجه بذلك الخميس، ثاني جمادى الآخرة يوم الخميس، وأخذ مدينة تفليس وقصد بلاد الكرج، وهدم ما استولى عليه من قلعة وبرج، وقلعهم إلى الصياصي، والقلاع العواصي، وقتل من ظفر به من طائع وعاصي، وجرهم ما بين رؤوس ونواصي، ثم ثنى عنان العناد، وحرش البغاة على بغداد، فهرب السلطان أحمد من ذلك اللجب، إلى قرا يوسف في ثامن عشري شهر رجب فسكن تيمور زعازعه، وطمن ذلك مراقبه ومنازعه، وتمهل في السير، واستعمل في نحوه مع مناظره مباحث سوى وغير، وصار يتحازر ويتحاول وينشد وهو يتغافل
أموه عن سعدى بعلوى وأنتم ... مرادي فلا سعدى أريد ولا علوى
فتراجع السلطان أحمد وقرا يوسف يوماً إلى مدينة السلام، متصورين أنه لم يبرح من بلاد الكرج اللئام فلما تحققا من الخروج، وكانا حققا أنه إذا عرج على شيء فما يعوج، أطار أطايرهما نحو الروم، وتركا ديارهما ينعق فيها الغراب والبوم، فتوجه ذلك القشعمان إلى مصيف التركمان، فأغمد السيف، وكف عن الحيف، وقضى به الصيف
ذكر ما وقع من الفتن والبدع
وما سل للشرور من حسام بعد موت سلطان سيواس والشام
وكان إذ ذاك قد تخبط أمر الناس، وقع الاضطراب ببلاد مصر والشام إلى سيواس أما مصر والشام فلموت سلطانها، وأما سيواس فلقتل برهانها، وكان موتهما متقارب الزمان، كموت قرا يوسف والملك المؤيد أبي النصر شيخ وأبي الفتح غياث الدين محمد بن عثمان، فإن مدى ما بين موت هؤلاء الملوك العظام، كانوا نحواً من نصف عام، وكذا كان ما بين موت ذينك السلطانين
ذكر نبذة من أمور القاضي
وكيفية استيلائه على سيواس وتلك الأراضي
وسبب قتل القاضي برهان الدين، مخالفة وقعت بينه وبين عثمان قرايلوك رأس المعتدين، سيزداد بيانها، إذا أتى مكانها، وهذا السلطان أبوه قاضياً كان، عند السلطان أرتنا حاكم قيصرية وبعض ممالك قرمان، وكان بين الأمراء والوزراء ذا مكانة ومكان، وكان ابنه برهان الدين أحمد المذكور في عنفوان شبابه، من طلبة العلم الشريف وأصحابه، والمجتهدين في تحصيله واكتسابه