واعتمادهم البديع وأفانينه في أشعارهم ، وكأنه مذهبٌ سهّلَوا حَزْنَهُ ، ونهجوا رَسْمَهُ ؛ فأمَّا الفحول الأوائل ، ومَنْ تَلاَهُمْ منَ المخضرمين والإسلاميين فمذهبُهم المتَعالم عدذ عن كذا إلى كذا وقُصَارَه كلِّ واحدٍ منهم وَصْفُ ناقتِه بالعِتق ، والنَّجَابة والنجاء ، وأنه امتَطاها ؛ فادّرع عليها جِلْبَابَ اللّيل ؛ وربما اتَّفق لأحدِهم معنى لطيف يتخلّص به إلى غرضٍ لم يتعمّده إلا أن طبعه السليم ، وصِراطه في الشعر المستقيم ، نصبا مَنَارَه وأوقدا باليفاع نارَه ؛ فمن أحسن تخلّص شاعر إلى معتمده قولُ النابغة الذبياني : الطويل :
فكَفْكَفْتُ منّي عَبرَةً فَرَدَدْتُها . . . على النَّحْرِ ، منها مستهلّ ودامعُ
على حينَ عاتبْتُ المشيبَ على الصِّبَا . . . وقلتُ : أَلمَّا أَصْحُ والشيبُ وَازعُ وقد حالَ هَم ، دونَ ذلِكَ ، شاغِلٌ . . . مكان الشِّغافِ ، تَبْتَغِيه الأَصابعُ
وعيدُ أبي قابوسَ في غير كُنْهِه . . . أتاني ودوني راكِسٌ فالضَّواجعُ
وهذا كلام متناسخ ، تقضي أوائلُه أَواخره ، ولا يتميّز منه شيء عن شيء : الطويل :
أتاني ، أبيتَ اللعن ، أنك لُمْتَني . . . وتِلك التي تَسْتَكُّ منها المسامِع
مقالة أن قد قلتَ سوف أناله . . . وذلك من تِلْقَاءِ مثلك رائعُ
ولو توصَل إلى ذلك بعضُ الشعراء المحدثين الذين واصلوا تفتيش المعاني ، وفتحوا أبواب البديع ، واجتنوْا ثمرَ الآداب ، وفتَحُوا زَهْرَ الكلام لكان معجزاً عجباً ، فكيف بجاهلٍ بَدَوِي إنما يغترفُ من قليب قَلْبِه ، ويستمدُّ عفوَ هاجسه .
وقال عليّ بن هارون المنجم عن أبيه : لم يتوصل أحدٌ إلى مدح بمثل قول ابن وهيب : الكامل :
ما زال يُلْثِمُنِي مراشفهُ . . . ويُعِلُني الإبريقُ والقَدَحُ