آبائي ونعمهم عند أبيك وعندك ، أن تَثلِبَني وتسبني ، وتحَرَضَ على دمي ؟ أتحب أن أفعل بك ما فعلتَه بي ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، إن عذرِي يحقِدك إذا كان واضحاً جميلاً ، فكيف إذا حفَته العيوب ، وقبَّحَته الذنوب ؛ فلا يَضِيق عني من عَفوِك ما وسع غيري منك ، فأنت كما قال الشاعر فيك : الطويل :
صفوح عن الأجرام حتى كأنه . . . من العافر لم يعرِف من الناس مجرِما
وليس يَبالي أن يكَون به الأذَى . . . إذا ما الأذى لم يَغْش بالكُرهِ مُسلِمَا
والشعر للحسن بن رجاء بن أبي الضحاك .
من أخبار المنصور
قال سعيد بن مسلم بن قتيبة : دعا المنصور بالربيع ، فقال : سلني ما ترِيد ، فقد سكَتَ حتى نطقت ، وخفّفت حتى ثقلت ، وأقلَلتَ حتى أكْثَرْت .
فقال : والله - أمير المؤمنين ما أرهب بخلَكَ ؛ ولا أَسْتَقصِر عُمرك ، ولا أستصغر فضلك ، ولا أَغتَنِم مالك ؛ وإن يومي بفضلك عَلَيَ أحْسن من أمسي ، وغَدك في تأميلي أحسن من يومي ؛ ولو جاز أن يَشْكرَك مثلي بغير الخِدْمَةِ والمُنَاصَحَة لما سَبَقَني لذلك أحَد .
قال : صدقت ، عِلمي بهذا منك أحَلَّكَ هذا المحلّ ؛ فَسْلني ما شِئت ، قال : أسألُك أن تقرِّب عبدك الفَضل ، وتُؤثره وتحبّه .
قال : يا ربيع ، إنَّ الحب ليس بمال يُوهَب ، ولا رُتْبَة تُبْذَل ، وإنما تؤكّدُه الأسباب .
فال : فاجعل لي طريقاً إليه ، بالتفضل عليه .
قال : صدقت ، وقد وصَلْتُه بألف ألف درهم ، ولم أصل بها أحَداً غير عمومتي ، لتعلم مَالَه عنديَ ، فيكون منه ما يَسْتَدْعِي به محبتي ، ثم قال : فبكيف سألت له المحبة يا ربيع ؟ قال : لأنها مفتاحُ كل خير ، ومِغْلاَق كلّ شرّ ، تُسْتَر بها عندك عيوبُهُ ، وتَصِير حَسناتٍ ذنوبه .