زوال نعمة ، ولا يتروى في إمضاء رأي ولا مكيدة ، قد شمر له عبدُ اللَه عن ساقِه ، وفوَّق له أسد سهامِه ، يرميه على بعدِ الدار بالحَتفِ النافذ والموت القاصد ، قد عبى له المنايا على متونِ الخيل ، وناطَ له البَلاَءَ في أسِنة الرماح وشِفار السيوف ، ثم تمثّل بشعر البَعيث : الطويل :
يقَارع أتراك ابن خاقانَ ليله . . . إلى أن يرى الإصبَاح لا يتلعثمَ
فيصبح في طول الطراد وجِسمه . . . نحيل ، وأضحِي في النعيم أصمم
فشتان ما بيني وبين ابن خالد . . . أمية في الرزق الذي الله يقسم
ثم قال : يا أبا الحارث ، أنا وأنت نجري إلى غاية إن قصرنا عنها ذمِمنا ، وإن اجتهدنا في بلوغها انقطعنا ، وإنما نحن شعبة من أصلِ ، إن قَوِي قوينا ، وإن ضَعُفَ ضعفنا ؛ إن هذا الرجل قد ألقى بيده إلقاءَ الأمة الوَكفَاء : يشاور النساء ، ويعتمد على الرؤيا ، وقد أمكَن أهل اللهو والخسَارة مِن سَمعِه ؛ فهم يُمَنُّونه الظَّفَر ، ويَعِدُونَه عواقب الأيام ؛ والهلاك إليه أسرع من السيل إلى قِيعانِ الرملِ ؛ وقد خشِيتُ أن نَهْلِكَ بهلاكه ، ونعطَب بعَطَبِه ، وأنت فارس العرب وابنَ فارسها ، وقد فزع إليك في لقاءِ طاهر لأمرين ؛ أحددهما صِدْقُ طاعتك ، وفَضل نصيحتك ؛ والثاني يُمْن نَقِيبتك ، وشِدَة بأسك ؛ وقد أمرني أن أبسطَ يدك ، غير أن الاقتصاد رأس النصيحة ، ومفتاح البركة ؛ فبادِر ما تريد ، وعَجل النهضة ، فإني أرجو أن يولّيك اللَه شَرف هذا الفَتح ، ويلم بك شَعثَ الخلافة .
فقلت له : أنا لطاعتك وطاعة أمير المؤمنين مقدِم ، ولما وَهَن عدو كما مُؤثر ؛ غير أن المحارِب لا يفتَتِح أمره بتقصير ، وإنما مِلاَكُ أمرِه الجنود ، والجنود لا تكون بلا مال ، وقد رفع أمير المؤمنين الرغائبَ إلى قوم لم يجْدُوا عليه ، ومتى سمت مَن أقدر به الانتفاع له بالرضا بدون ما أخذ غيرُه ممن لم يكن عنده غناء ولا مَعونة ، لم ينتظم بذلك التدبير ، وأحتاج لأصحابي رِزق سنة قَبضاً ، وحملا إلى ألفِ فرس لحمل من لا أرتَضِي فرسه ، وإلى مال أستظهر به ، لا أُلاَم على وَضعِه حيث رَأَيت . فقال : شاوِر أمير المؤمنين ؛ فأدخلني عليه ، فلم تَدرْ بيني وبينه كلمتان حتى أمر بحبسِي .
ويروى أن الأمين لما أَعيَتْه مكايدُ طاهر قال : الوافر :
بُليت بأَشْجَعِ الثقلين نَفْساً . . . تَزُول الراسياتُ وما يزولُ
له مع كل ذي بدن رقيبٌ . . . يشاهده ويَعْلَمُ ما يقول
فليس بمغفِل أمراً عَنَاهُ . . . إذا ما الأمْرُ ضيًعَه الجهولُ