وللْيَمِّ إنْذَارٌ بغَوْصِ مُتُونِه . . . وما فيه من آذيه المتراكِبِ
وهي طويلة ، وفيما مرّ كفاية تنبئ عنه وتدل عليه ، ولو مددت أطناب الاختيار لتَتبع هذا النحو من شعره لخرجتُ عن غَرَضِ الكتاب .
في العيافة والزجر
ومن مليح العيافة والزجر ما رواه الصُولي ، قال : كان لأبي نواس إخْوانٌ لا يفارِقُهم ، فاجتمعوا يوماً في موضع أخْفَوْه عنه ، ووجَّهوا إليه برسولٍ معه ظهرُ قرطاس أبيض ، لم يكتبوا فيه شيئاً ، فخزَمُوه بزير ، وختموه بقار ، وتقدموا إلى رسولهم ليرميَ كتاب من وراء الباب ؛ فلما رآه استعلم خبَرَهُم ، وعلم أنه مِنْ فِعْلِهِم ، فتعرَفَ موضِعَهم وآثَارَهم ، فأتاهم فأنشدهم : الوافر :
وجدتُ كتابَكمْ لمّا أتاني . . . يمرُ بسانح الطيرِ الجوَارِي
نظرتُ إليه مخزوماً بزيرٍ . . . على ظَهْرٍ ، ومختوماً بِقَارِ
فقلت : الزير مُلْهية وَلَهْو . . . وخِلْتُ القارَ من دَنَ العُقار
وخِلْت الظهْرَ أهْيَفَ قُرْطَقيًّاً . . . يحيل العقلَ منه باحْوِرَار
فهمْتُ إليكم طَرَباً وشَوْقاً . . . فما أخطأت دَارَكم بدار
فكيف ترونني وترون وَجْدِي . . . ألَسْتُ من الفلاسفة الكبَار ؟
وقال الطائي : الكامل : أتضعضعتْ عبراتُ عَيْنك أنْ دَعَتْ . . . ورْقَاءُ حين تضعضعَ الإظْلاَمُ ؟
لا تنشجنٌ لها ؛ فإن بكاءها . . . ضَحِك ، وإن بكاءَك استغرام
هنَ الْحَمامُ وإنْ كَسَرْتَ عِيَافةَ . . . مِنْ حَائهنَ فإنهنَّ حِمَامُ
وروى يموت ابن المزرع قال : كان أحمدُ بن المدبر إذا مدحه شاعرٌ فلم يَرْضَ شِعْرَه لغلامه : امْض به إلى المَسْجِد الجامع فلا تفارِقْه حتى يُصلي مائةَ ركعة ، ثم خَلَهِ ؛