حد الاعتدال ، وذهب مِن ذاتِ اليمين إلى ذات الشمال . يحكي ثقل الحديث المعَاد ، ويَمْشي في القلوب والأكباد ، ولا أدْرِي كيف لم تحمل الأمانةَ أرضٌ حَمَلَتْهُ ؟ وكيف احتاجت إلى الجبال بعد ما أقلّتْه ؟ كأن وجهَه أيامُ المصائب ، وليالي النوائب ، وكأنما قُرَّ به فقْدُ الحبائب ، وسوء العواقب . وكأنما وصلُه عدمُ الحياة ، وموتُ الفجأة ، وكأنما هَجره قوة المنّة ، وريحُ الجنة . يا عجبي من جِسْمٍ كالخيال ، وروحٍ كالجبال ، كأنه ثقل الدينِ ، على وَجعِ العين . هو ثقيلُ السكون ، بغيضُ الحرَكَة ، كثيرُ الشؤم ، قليلُ البركة . هو بين الْجَفن والعين قَذَاة ، وبين الأخمص والنَّعلِ حصاة . ما هو إلا غداةُ الفراق ، وكتابُ الطلاق ، وموتُ الحبيب ، وطلوعُ الرقيب . ما هو إلا أربعاء لا تَدُور في صفَر ، والكابوسُ في وَقْتِ السحَر ، وأثْقَل من خَرَاجٍ بلا غلّة ، ودَوَاءً بلا عِلَة ، وأبْغَض من مثل غير سائر ، وأجْمَع للعيوب من بغلة أبي دُلامة ، وحمار طيّار ، وطيلسان ابْن حَرْب ، وأير أبي حكيمة ، وأنشد : الطويل :
مشى فدعا من ثقلِهِ الحوتُ ربَّهُ . . . وقال : إلَهي زِيدَتِ الأرضُ ثانِيَهْ
وأنشد : الخفيف :
مشتَمِل بالبُغْض لا تَنْثَني . . . إليه لَحْظاً مُقْلَة الرَامِقِ
يظل في مجلسنا قاعداً . . . أثْقَل من وَاشٍ على عاشِقِ
وقال الحمدوني : المتقارب :
سألتك باللَّهِ إلا صدقْتَ . . . وعِلْمي بأنَك لا تصدقُ
أتبغضُ نفسَك من ثقلها . . . وإلا فأنت إذاً أحْمَقُ
وكتب أبو عبد الرحمن العطوي إلى بعض إخوانه : الطويل :
إذا أنت لم تُرْسِل وجئتَ فلم أصل . . . مَلأت بعذْرٍ منك سَمْعَ لبيبِ
أتيتك مشتاقاً فلم أرَ حاجباً . . . ولا صاحباً إلا بوجهٍ قطوبِ
كأني غريمٌ مُقْتَضٍ ، أو كأنني . . . طلوعُ رَقيبٍ أو نهوضُ حبيبِ
وكان أبو عبيدة معمر بن المثنى يستثقلُ جليساً اسمه زنباع ، فقال له رجل يوماً : ما الزنبعة في كلام العرب ؟ قال : التثاقلُ ، ولذلك سُمَي جليسُنا زنباعاً .