قال يحيى بن أكثم : أراد المأمون أن يزوج ابنته من الرضا فقال : يا يحيى تكلّم ، فأجللْتُه أن أقولَ : أنكحت ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، أنت الحاكم الأكبر ، والإمام الأعظم ، وأنْتَ أوْلى بالكلام ، فقال : الحمدُ للّه الذي تصاغرت الأمور بمشيئته ، ولا إلهَ إلا هو إقراراً بربوبيته ، وصلّى الله على محمد عند ذكره .
أمّا بعد ، فإن الله قد جعل النكاح دِيناً ، ورَضِيَه حُكْماً ، وأنزله وحياً ؛ ليكونَ سببَ المناسبة ؛ ألاَ وإني قد زوجت ابنة المأمون من عليّ بن موسى ، وأمهرتها أرْبَعَمِائَةِ درهمٍ ، اقتداءً بسنةِ رسول الله ، ( صلى الله عليه وسلم ) ، وانتهاء إلى ما دَرَج إليه السلفُ ، والحمدُ لله ربّ العالمين .
قال الأصمعي : كانوا يستحبّون من الخاطب إلى الرجل حُرمته الإطالة ، لتدل على الرغبة ، ومن المخطوب إليه الإيجاز ، ليدلّ على الإجابة .
وخطب رجل من بني أمية إلى عمر بن عبد العزيز أخته ، فأطال ؛ فقال عمر : الحمدُ لله في الكبرياء ، وصلّى الله على محمد خاتم الأنبياء ؛ أما بعد ، فإن الرغبةَ منك دَعَتْك إلينا ، والرغبة منّا فيك أجابَتْ ، وقد زوّجناك على كتاب الله : إمساكٌ بمعروف ، أو تسريحٌ بإحسان .
وخطب رجل إلى قوم فأتى بمن تَخْطُب له ، فاستفتح بحمد الله وأطال ، وصلّى على النبي عليه السلام وأطال ، ثم ذكر البَدء وخلْقَ السماوات والأرض ، واقتص ذِكر القرون حتى ضَجِر مَنْ حضر ، والتفت إلى الخاطب ، فقال : ما اسمُكَ أعزَّك الله ؟ فقال : والله قد أنسيت اسمي من طول خطبتك ، وهي طالقٌ إن لزوجتها بهذه الخطبة ؛ فضحك القوم ، وعَقَدُوا في مجلس آخر .
فقر في الكتاب والقلم والسيف والخطّ
وقال ابن المعتز : الكتاب وَالِجُ الأبواب ، جريءٌ على الحجاب ، مُفْهِم لا يَفْهَم ، وناطقٌ لا يتكلم ، به يشخص المشتاقُ ، إذا أقعده الفراق ، والقلم مجهزٌ لجيوش الكلام ، يخدم الإرادة ، لا يمل الاستزادة ، ويسكتُ واقفاً ، ويَنْطِقُ سائراً ، على أرض بياضُهَا مُظْلِم ، وسوادها مُضِيء ، وكأنه يقبل بِسَاط سلطان أو يفتح نُوَار بستان .
وهذا كقوله في القاسم بن عبيد الله ، قال الصولي : لما عُرض القاسم بن عبيد الله ليخلف أباه : قال ابن المعتز : الخفيف :
قلم ما أراهُ أم فلك يَج . . . ري بما شاء قاسم ويسيرُ