فأجاب الفضل : قد سَمعتُ ما قاله أمير المؤمنين في أخي ، وقد اطلعت على أمره ، وما انقلَبَتْ عني نعمةٌ صارت إليه ، ولا غَرَبت عني رتبة طلعَتْ عليه .
فقال جعفر : لله أخي ما أَنْفَسَ نفسه ، وأَبيَن دلائل الفضل عليه ، وأقوى مُنَة العَقْل فيه ، وأَوْسع في البلاغة ذَرْعَه ، وأَرْحَبَ بها جنابه . يُوجب على نفسه ما يجب له ، ويَحْمِلُ بكرمه فوق طاقته .
وذُكِر جعفرُ بن يحيى في مجلس ثُمامَة بن أشرس فقال : ما رأيت أحداً من خَلْق الله كان أبْسَطَ لساناً ، ولا أَلْحَن بحجّة ، ولا أقدر على كلام ، بنَظْمٍ حَسَنٍ ، وألفاظٍ عذبة ، ومَنْطق فصيح ، من جعفر بن يحيى ، كان لا يتوقف ، ولا يتحبس ، ولا يَصِلُ كلامه بِحَشْوِ من الكلام ، ولا يُعِيدُ لفظاً ولا معنى ، ولا يَخْرجُ من فنّ إلى غيره ، حتى يبلغ آخِرَ ما فيه ؛ وكان لا يرى شيئاً إلا حكاه ، ولا يَحْكي شيئاً إلاّ كان أكثر منه ، ولا يمُرُ بذهنه شيء إلاّ حفظه ، وكان إذا شاء أضحك الثكْلَى ، وأَذْهَل الزاهد ، وخشَن قَلْبَ العابد .
قلت : فكيف كانت معرفته ؟ قال : كان من أعلم الناس بالخبر الباهر ، والشعر النادر ، والمثل السائر ، والفصاحة التامة ، واللسان البسيط . قال سهل بن هارون ، وذكر يحيى بن خالد وابنه جعفراً ، فقال : لو كان الكلام مُتصوَراً دُرُّاً ، ويُلْقيه المنطق جَوْهَراً ، لكان كلامَهُمَا ، والمنتقى من ألفاظهما . ولقد غَبَرت معهما ، وأدرَكْتُ طبقة المتكلمين في أيامهما ، وهم يَرَوْن البلاغة لم تُسْتَكْمَلْ إلاّ فيهما ، ولم تكُنْ مقصورةً إلاّ عليهما ، ولا انقادت إلاّ لهما . وإنهما للُبابُ الكرم ، عِتْقَ منظرٍ ، وجودةَ مَخْبرٍ ، وسهولَةَ لفظِ ، وجزالة منطق ، ونزاهة نفس ، وكمال خصال ؛ حتى لو فاخرت الدنيا بقليل أيامهما ، والمأثورِ من خصائصها جميعَ أيامِ مَنْ سواهما من لدُنْ آدم إلى أن يُنْفَخَ في الصور ، ويبْعث أهل القبور - حاشا أنبياء اللّه الكرام ، وسَلَفِ عباده الصالحين - لما باهت إلاّ بهما ، ولا عَوَلت في الفخر إلاّ عليهما ، ولقد كنا - مع تهذيب أخلاقهما ، ومَعْسُول مَذَاقهما ، وسنا إشراقهما ، وكمالِ الخيرِ فيهما - في محاسن المأمونِ كالنقْطَة في البحر ، والخَردَلِ في القَفْرِ .
ووقع جعفرُ بن يحيى لرجو اعتذر عنده من ذنب : قد قدمَتْ طاعَتك ، وظهرت نصيحتك ، ولا تغلب سيئة حسنتين .