وأعطيناك ثلاثين ألف درهم جائزةً على مَدحِك لنا . وإن شئتَ عَفَونا عنك فقط .
فقال : بل يضِيف أمير المؤمنين إلى كريم عفوه جميلَ معروفه ؛ ومكرُمتان أكثرُ من واحدة ، وأمير المؤمنين أولى من شَفع نعمَته وأتمّ كرمه . فأمر له بثلاثين ألف درهم وعَفا عنه .
ولمَا قدم الرشيد الرَقَّة أظهر أبو العتاهية الزهد والتصوَف وترك الغَزل ، فأمره الرشيد أن يتغزّل ، فأبى ، فحبسه ، فغنّى بقوله : الطويل :
خَلِيليَ ما لي لا تزال مَضَرَتي . . . تكونُ على الأقدار حَتْماً من الحَتْمِ
كفاك بحقّ اللَه ما قد ظلمتَني . . . فهذا مقام المستجير من الظلمِ
أَلاَ في سبيل اللَّه جسمي وقُوتي . . . أَلاَ مُسعِدٌ حتى أنوحَ على جِسْمِيَ
فأمر بإحضاره وقال : بالأمس يَنْهاك أمير المؤمنين المهدي عن الغَزل فتأبى إلاّ لجاجاً ومَحْكا ؛ واليوم آمرك بالقول فتأبَى جُرْأة عليّ وإقداماً ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن الحسناتِ يُذْهبنَ السيئات ، كنتُ أقول الغزلَ ولي شبابٌ وجِدَّة ، وبي حَراك وقُوَة ، وأنا اليوم شيخ ضعيف لا يحسن بمثلي تَصابٍ ؛ فردَه إلى حبسه ؛ فكتب إليه : الطويل :
أنا اليوم لي ، والحمدُ للَّه ، أشْهرٌ . . . يَرُوح عليَ الغَمُّ منك ويَبْكُرُ
تذكَّر ، أمينَ اللَهِ ، حَقّي وحُرْمَتي . . . وما كنت تُوليني ، لعلَك تَذْكُرُ
لياليَ تُدني منك بالقُرب مجلسي . . . ووجهُك من ماءِ البشاشة يقطُرُ
فمَن لي بالعين التي كنتَ مرّةً . . . إليَّ بها من سالِفِ الدَّهْرِ تَنْظُرُ ؟
فبعث إليه : لا بأس عليك : فقال : الوافر :
كأنَّ الخلقَ رَكْبٌ فيه رُوح . . . له جَسَدٌ وأنْت عليه راسُ
أمين اللّهِ إنَّ الحَبْسَ بأسٌ . . . وقد وقّعتَ : ليس عليك باسُ
فأخرجه .
أخذ البيتَ الأول من هذين علي بن جبلة وزاد فيه ، فقال لأبي غانم الطوسي : السريع :
دجلة تَسْقي وأبو غانمٍ . . . يُطْعِمُ مَنْ تَسْقي من النَّاسِ
والخلْقُ جِسمٌ ، وإمام الهدى . . . رَأس ، وأنتَ العينُ في الرَاس