ولعلي بن العباس عليه التقدم بقوله : المنسرح :
يفتَرُّ ذاك السوادُ عن يَقق . . . من ثغرها كاللآَلئ النّسقِ
كأنها والمزاحُ يُضْحِكُها . . . ليل تَعَرَى دُجاه عن فَلَقِ
وفضلُ هذا الكلام على ذاك أن هذا قدَمَ لمعناه في التشبيه مقدمة أيَّدَتْه ، ووطَأَتْ له الآَذان ، وأصغت الأفهام إلى الاستحسان ، وهي قوله :
يَفَترّ ذاك السوادُ عن يقق
وفي هذه السوداء يقول ، وقد سأله أبو الفضل الهاشمي أن يستغرقَ صفات محاسنها الظاهرة والباطنة ، فقال : المنسرح :
لها حِرٌ يستعير وَقْدَته . . . من قلب صبٍّ وصدرِ ذي حَنق
كأنما حرُه لِخَابرِهِ . . . ما ألهبتْ في حشاه من حُرَق
يَزْداد ضيقاً على المِراس كمَا . . . تَزْدَاد ضيقاً أُنْشُوطةُ الوَهَق
ثم فكَرَ فيما فكَرَ فيه النابغة ، وقد أمره النعمانُ بوصف المتجرِّدة ، فوصف ما يجوز ذكره من ظاهر محاسنها ، ثم كره أن يذكر من فضائلها ما لا يسوغ بمثله أن يذكر منها ، فرد الإخبار عن تلك الفضائل إلى صاحبها ، وهو الملك ، فقال : الكامل :
زعمَ الهُمام بأن فاها باردٌ . . . عذْب إذا قبَّلته قلتَ أزْدَدِ
فاحتذى عليّ بن العباس هذا ، فقال بعد ما سأله أن يستغرقَ في وصف فضائلها الظاهرة والباطنة : المنسرح :
خُذْها أبا الفضل كسوةً لك مِنْ . . . خَزِّ الأماديح لا مِنْ الْخِرَقِ
وصفت فيها التي هَوِيتَ على الْو . . . هْمِ ولم نَخْتَبِرْ ولم نَذُقِ
إلاَّ بأخبارك التي وَقَعَتْ . . . منكَ إلينا عن ظَبْيَةِ البُرَقِ
حاشا لسوداء مَنْظَرٍ سَكَنَتْ . . . ذُرَاكَ إلاَ عنْ مخبر يقَقِ
وهذا المعنى أومأ إليه النابغة إيماءً خفيّاً تذهبُ معرِفتُه عن أكثرِ الناس ، ولو آثرَ النابغةُ