فقال : إنما الشاعر المطبوع كالبحر ؛ مرةً يقذِف صَدَفهُ ، ومرةً يقذف جِيَفَه .
وقد تناول هذا المعنى أبو الحسن عليّ بن العباس الرومي من أقْرَب متناول فقال : وكَشَفه بأوْضح عبارة - في صفته لجارية أبي الفضل عبد الملك بن صالح السوداء بعد أن استوفى جميعَ صفاتها وكان قد اقْتُرِح عليه وصْفُها : المنسرح :
وصَفْت فيها الَّذِي هَويت على ال . . . وهم ولم نَخْتَبِرْ ولم نَذقِ
إلاّ بأخبارك التي رُفعَتْ . . . منك إلينا عن ظبية البُرَقِ
حاشا لسَوْداء منظرٍ سكَنَتْ . . . ذراك إلاَ عَنْ مَخْبَرٍ يَقَقِ
وهذه الأبيات من قصيدة له وصف فيها السواد ، واحتجّ بتفضيله على البياض ، حتى أغْلق فيه الباب بعده ، ومنع أن يَقْصد فيه أحد قصده ، إلاَّ كان مقصّر السهم عن غرض الإحسان . وقد نبّه علي بن عبد اللّه بن العباس المسيب على فضائلها ، وأجاد التشبيه ، وكشف عن وجوه الإبداع ، وضروب الاختراع .
وقد مدح الناسُ السوادَ والسّود فأكثروا ؛ فمن جيد ما قالوا فيه قول أبي حفص الشطرنجي : السريع :
أشبَهك المِسكُ وأشبهتِهِ . . . قائمةً في لوْنه قاعِدَهْ
لا شكَّ إذا لَوْنكما واحدٌ . . . أنكما من طينةٍ واحدهْ
فأخذ ابنُ الرومي هذا المعنى ، وأضاف إليه أشياء أخر توسعاً واقتداراً ، فقال :
يذكرك المسك والغَوالي والسّكّ . . . ذوات النسيم والعَبَقِ
وهذه الأشياء وإن كانت ناقِصةً عن المسك ، فهي ممدوحة بالطيب ، غير مستغنى عن ذكرها في التشبيه ، فأما زيادَتُه على جميع مَنْ تعاطى مدح السواد فقوله : المنسرح :
سوداء لم تنتسب إلى برَص الشّ . . . قر ولا كُلْفَةٍ ولا بَهَق