القلوبُ فَضلَ المقادة ، ومعنى سنيٍّ جاده صَوْبُ الإصابة والإجادة ، وبِرٍّ هنيٍّ اتَّفَقَتْ على الاعتراف بفضله ألسنةُ الثناء والشهادة ، فسرَّحْتُ طَرْفي فيما حواه من بدائع وطُرَف ، قد جمعت في الحسن والإحسان بين واسطة وطَرَف ، حتى لم تبقَ في البلاغة يتيمة إلاَّ جبرتها وتمِّمتها .
وله إلى الأمير السيد أبيه يهنئه بالقدوم .
كتبت وأنا بمنزلة من ارتدَّ إليه شبابُه بعد المشيب ، وارتدى بردَاء مِنَ العمر قَشِيب ، والحمد للّه رب العالمين ، وصل كتابُ مولاي مبشِّراً من خبر عَوْده إلى مقرَ عزّه وشَرَفه ، محروساً في حفظ اللّه وكَنَفه ، بما لم تزل الآمال تتنسَّم روائحه ، وتترقّب غاديَ صُنْع اللّه فيه ورائحَه ، واثقةً بأنّ عادةَ اللّه الكريمة عنده تُسَايره وتُرافقه ، وتلزم جنابه فلا تُفارِقه ، حتى تْخرجَه من غَمْرة الغَماء خروجَ السيف من الغِمْدِ ، والبدر بعد السِّرَار إلى الانجلاء ، فعددْتُ يوم وُرودِهِ عيداً ، أعاد عهد السُّرور جَدِيداً ، وردَ طَرْفَ الحسود كليلاً وقد كان حَدِيداً ، ولم أُشَبِّهْهُ في إهداء الرَّوح والشفاء ، وتلافي الرُّوح بعد أن أشْفَى على المكروه كل الإشفاء إلا بقميص يوسف حين تلقّاه يعقوبُ عليه السلام من البشير ، وألقاه على وجهه فنظر بعَيْنِ البصير ، فكم أوسعتُه لثماً واستلاماً ، والتقطت منه بَرْداً وسلاماً ، حتى لم تبق غُلَّة في الصدر إلاَّ بَرَدْتُهَا ، ولا غُمّة في النفس إلاَ طَرَدْتها ، ولا شريعة من الأنس إلاَّ وردْتها .
وله فصل من رسالة : وكان فرطُ التعجب مَرَّة وعِظَمُ الإعجاب تارة يقفُ بي عند أول فصل من فصوله ، ويثبّطني عن استيفاء غُرَره وحُجُوله ، ويُوهمني أنَّ المحاسنَ ما حَوَتْه قلائدُه ، ونَظمته فرائدُه ؛ فليس في قوس إحسان وراءها مِنْزَع ، ولا لاقتراح جَنَان فوقها مُتطلَع ، حتى إذا جاوزته إلى لففه وتَزْيِينه ، وأجَلْتُ فكري في نكتِه وعُيونه ، رأيتُ ما يُحَيِّر الطَّرْف ، ويُعْجِز الوَصْفَ ، ويَعْلُو على الأول مَحَلاً ومكاناً ، ويفوقه حسناً وإحساناً ، فرتَعْتُ كيف شئتُ في رياضِه وحدَائِقه ، واقتبست نُورَ الحِكَم من مطالعه ومَشارقه ، وسلّمت لمعانيه وألفاظه