وأريباسيوس يحكي في كناشه الكبير أن رجلاً عرض له في المثانة حجر عظيم، قال وداويته بكل دواء مستصلح لتفتيت الحجر، فلم ينتفع البتة وأشرف على الهلاك، فرأى في النوم كأن إنساناً أقبل عليه وفي يده طائر صغير الجثة، وقال له أن هذا الطائر اسمه صفراغون، ويكون بمواضع السباحات والآجام، فخذه واحرقه وتناول من رماده حتى تسلم من هذه العلة، فلما انتبه فعل ذلك، فأخرج الحجر من مثانته متفتتاً كالرماد، وبَرَأَ برءاً تاماً، ومما حصل أيضاً من ذلك بالرؤيا الصادقة أن بعض خلفاء المغرب مرض مرضاً طويلاً، وتداوى بمداواة كثيرة فلم ينتفع بها، فلما كان في بعض الليالي رأى النبي صلى الله عليه وسلم في نومه وشكى إليه ما يجده، فقال له صلى الله عليه وسلم ادهن بلا، وكل لا، تبرأ، فلما انتبه من نومه بقي متعجباً من ذلك ولم يفهم ما معناه، فسأل المعبرين عنه، فكل منهم عجز عن تأويله، ما خلا علي بن أبي طالب القيراوني، فإنه قال يا أمير المؤمنين إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرك أن تدهن بالزيت وتأكل منه فتبرأ، فلما سأله من أين له معرفة ذلك، قال من قول اللَّه عزّ وجلّ من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، فلما استعمل ذلك صلح به وبرأ برءاً تاماً، ونقلت من خط علي بن رضوان، في شرحه لكتاب جالينوس في فرق الطب ما هذا نصه قال وقد كان عرض لي منذ سنين صداع مبرح عن امتلاء في عروق الرأس، ففصدت فلم يسكن، وأعدت الفصد مراراً وهو باق على حاله، فرأيت جالينوس في النوم، وقد أمرني أن أقرأ عليه حيلة البرء، فقرأت عليه منها سبع مقالات فلما بلغت إلى آخر السابعة، قال نسيت ما بك من الصداع؟ وأمرني أن أحجم القمَحْدُوة من الرأس، ثم استيقظت فحجمتها، فبرأت من الصداع على المكان، وقال عبد اللّه بن زهر في كتاب التيسير إنني كنت قد اعتل بصري من قيئ بحراني افرط علي، فعرض لي انتشار في الحدقتين دفعة، فشغل بذلك بالي، فرأيت فيما يرى النائم من كان في حياته يعني بأعمال الطب، فأمرني في النوم بالاكتحال بشراب الورد، وكنت في ذلك الزمان طالباً قد حذقت، ولم تكن لي حنكة في الصناعة، فأخبرت أبي فنظر في الأمر ملياً ثم قال لي استعمل ما أمرت به في نومك، فانتفعت به، ثم لم أزل استعمله إلى وقت وضعي هذا الكتاب في تقوية الأبصار، أقول ومثل هذا أيضاً كثير مما يحصل بالرؤيا الصادقة، فإنه قد يعرض أحياناً لبعض الناس أن يروا في منامهم صفات أدوية ممن يوجدهم أياها، فيكون بها برؤهم، ثم تشتهر المداواة بتلك الأدوية فيما بعد،
القسم الثالث
أن يكون قد حصل لهم شيء منها أيضاً بالاتفاق والمصادفة
مثل المعرفة التي حصلت لاندروماخس الثاني في إلقائه لحوم الأفاعي في الترياق، والذي نشطه لذلك وأفرد ذهنه لتأليفه، ثلاثة أسباب جرت على غير قصد، وهذا كلامه، قال أما التجربة الأولى، فإنه كان يعمل عندي في بعض ضياعي في الموضع المعروف ببورنوس، حراثون يحرثون الأرض للزرع، وكان بيني وبين الموضع نحو فرسخين، وكنت أبكر إليهم لأنظر ما يعملون، وأرجع إذا فرغوا، وكنت أحمل لهم معي على الدابة التي تحت الغلام زاداً وشراباً لتطيب أنفسهم، ويتجلدوا على العمل، فما زلت كذلك إلى أن حملت الغداء في بعض الأيام، وكنت قد أخرجت إليهم بستوقة خضراء، وفيها خمر، مطينة الرأس لم تفتح، مع زاد، فلما أكلوا الزاد قدموا البستوقة وفتحوها، فلما أدخل أحدهم يده مع كوز ليغرف منها الشراب وجد فيها أفعى قد تهرأ، فأمسكوا عن الشراب، وقالوا إن هاهنا في هذه القرية رجلاً مجذوماً يتمنى الموت من شدة ما به، فنسقيه من ذلك الشراب ليموت، ويكون لنا في ذلك أجر إذ نريحه من وصبه، فمضوا إليه بزاد وسقوه من ذلك الشراب، متيقنين أنه لا يعيش يومه ذلك، فلما كان قريب الليل انتفخ جسمه نفخاً عظيماً وبقي إلى الغداة ثم سقط عنه الجلد الخارج، وظهر الجلد الداخل الأحمر، ولم يزل حتى صلب جلده وبرأ وعاش دهراً طويلاً من غير أن يشكو علة، حتى مات الموت الطبيعي الذي هو فناء الحرارة الغريزية، فهذا دليل على أن لحوم الأفاعي تنفع من الأوصاب الشديدة والأمراض العتيقة في الأبدان