إن أصحاب التواريخ اختلفوا اختلافاً فيما وضعوه، كل منهم أثبت جملاً إذا فصلت فخرج منها زيادات ونقصان، ومن هذا يتبين لك متى تصفحت كتب التواريخ، لا سيما متى وقفت على كتاب الأزمنة الذي عمله ماراليا مطران نصيبين، فإنه قد كشف الخلف الذي بين التواريخ العتيقة والحديثة وأوضح وكشف وأبان ذلك أحسن بيان، بجمعه لجملها في صدر كتابه وإيراد تفاصيلها، وتنبيهه على مواضع الخلاف فيها والزيادات والنقصانات وذكر أسبابها وعللها، ووجدت تاريخاً مختصراً لهارون بن عزور الراهب، ذكر فيه أنه اعتبر التواريخ وعول على صحتها، ورأيته قد كشف بعض اختلافها وعلل ذلك بعلل مقنعة، وأورد شواهد من صحتها، وذكر هذا الراهب في تاريخه أن جميع السنين من آدم إلى ملك دارا ابن سام، وهو أول ظهور الاسكندر ذي القرنين، خمسة آلاف ومائة وثمانون سنة وعشرة أشهر على موجب التاريخ الذي عند اليونانيين، وهو تاريخ التوراة المنقولة إلى اليونانيين قبل ظهور المسيخ بمائتي سنة وثمان وسبعين سنة، وذلك في زمان فيلدلفوس الملك، لأنه كان حمل إلى اليهود هدايا حسنة لما سمع أن عندهم كتباً منزلة من عند اللَّه تعالى على ألسنة الأنبياء، وكان من جملة ما حمل مائدتان من ذهب مرصعتان بالجواهر لم ير أحسن منهما، وسألهم عن الكتب التي في أيديهم وأعلمهم أنه يختار أن يكون عنده نسختها، فكتبوا جميع الكتب التي كانت عندهم لليهود من التوراة والأنبياء وما جرى مجراها، في أوراق من فضة بأحرف من ذهب على ما نسبه الراهب إلى أوسابيس القيسراني، فلما وصلت إليه استحسنها ولم يفهم ما فيها، فأنفذ إليهم يقول أي فائدة من كنز مستور لا يظهر ما فيه، وعين مسدودة لا ينضح ماؤها؟ فأنقذوا إليه اثنين وسبعين رجلاً من جميع الأسباط من كل سبط ستة رجال، فلما وصلوا عمل لهم الملك فيلدلفوس مراكب ونزل كل رجلين منهم في مركب، ووكل بهم حفظة حتى نقلوها، وقابل النسخ فلما وجدها صحيحة غير مختلفة خلع عليهم وأحسن إليهم وردهم إلى مواطنهم.
وذكر أوسابيوس القيسراني الذي كان أسقف قيسارية أن هذا الملك كان قد نقل الكتب قبل مجيء اليهود استدعاء اليهود وحضوره عنده ونقلهم إياها، وإنما شك فيمانقله منها فأحب تصحيحه، قال عبيد اللَّه بن جبرائيل وهذا مما يشهد فيه لاعقل لأن فيلدلفوس الملك لو لم يشك في نقله لما احتاط هذا الاحتياط المذكور وحرص هذا الحرص على حفظ هذا النقل، ولولا اتهامه لنقله لما كان هنا ما يوجب هذا الاحتياط، لأن من قلدهم في الأول كان أحرى أن يقلدهم في الثاني، ولما أحب أن يمتحن ما فسره فعل ما فعل وقابل عليه وصححه، ومن هاهنا وجب أن تاريخ اليونانيين أصح التواريخ أعني تاريخ التوراة والأنبياء التي عندهم، وكانت مدة هذا الملك فيلدلفوس في المملكة ثماني وثلاثين سنة، وهوالملك الثالث من الاسكندر، على أن تاريخ الاسكندر منذ قتله دارا، وهو أن مدة ملكه تكون ست سنين، ومنه يؤخذ تواريخ اليونانيين، فتكون مدة ملك اليونانيين من الاسكندر وإلى أول ملك الروم الذين لقبهم قيصر مائتين واثنتين وسبعين سنة، وأول ملوك الروم الذين لقبهم قيصر يوليوس جايوس قيصر، وكانت مدته في المملكة أربع سنين وشهرين وملك بعده أغوسطوس قيصر وكانت مدته ست وخمسين سنة وستة أشهر وفي سنة ثلاث وأربعين من ملكه ولد المسيح عليه السلام في بيت لحم، فجميع سني العالم من آدم وإلى مولد المسيح خمسة آلاف وخمسمائة وأربع سنين، وملك بعده طيباريوس قيصر ثلاثاً وعشرين سنة، وفي سنة خمس عشرة من ملكه إعتمد المسيح في الأردن بيد يوحنا المعمدان، وفي سنة تسع عشرة صلب رفع وذلك في يوم الجمعة الرابع والعشرين من آذار، وانبعث حياً يوم الأحد السادس والعشرين من آذار،و وبعد أربعين يوماً صعد إلى السماء بمشهد من الحواريين.
ثم ملك بعده يوليوس جايوس الآخر أربع سنين وقتل في بلاطه، وملك بعده قلوديوس جرمانيقوس قيصر أربع عشرة سنة، ثم ملك بعده نارون بن قلوذيوس قيصر ثلاث عشرة سنة، ثم أندرونيقوس أربع عشرة سنة، وهو الذي قتل بطرس وبولس في السجن، لأنه ارتد إلى عبادة الأصنام وكفر بعد الإيمان وقتل وهو مريض.