وذكر أندرونيقوس في تاريخه أنه ملك بعد نارون، جالباس سبعة أشهر، ووطليوس ثمانية واثون ثلاثة أشهر، ثم ملك بعده أسفاسيانوس قيصر عشر سنين، وفي اخر ملكه غزا بيت المقدس وخربه، ونقل جميع آلة البيت إلى القسطنطينية وانقطع عنهم، يعني اليهود، الملك والنبوة، وهو الذي وعد اللَّه تعالى به بمجيء المسيح ولا رجعة لم بعده هذه المملكة الأخيرة من الممالك التي وعدهم اللَّه بها، ثم ملك بعده طيطوس ابنه سنتين.
ووجدت في تاريخ مختص قديم رومي أنه ملك بعده طيطوس طميديوس؛ وفي زمانه كان بليناس الحكيم صاحب الطلسمات، ثم ملك بعد دوميطانوس أخو طيطوس، وأن اسفاسيانوس ملك خمس عشرة سنة، وفي زمانه ظهر ماني، وفي أيامه زمانه نهبت مدينة رأس العين، وفي تاريخ أندرونيقوس أنه ملك ست عشرة سنة، ثم ملك بعده فرواس قيصر سنة واحدة، ثم ملك البيوس طرينوس قيصر تسع عشرة سنة وهو الذي ارتجع أنطاكية من الفرس، وكتب إليه خليفته على فلسطين يقول له أنني كلما قتلت النصارى ازدادوا رغبة في دينهم، فأمره برفع السيف عنهم وفي السنة العاشرة من ملكه ولد جالينوس، على ما سنبين فيما بعد.
ثم ملك بعده أبليوس أدريانوس قيصر إحدى وعشرين سنة وبنى مدينته، ثم ملك بعده أنطونينوس قيصر اثنتين وعشرين سنة وبنى مدينة إيليوبليس وهي مدينة بعلبك، وفي أيام هذا الملك ظهر جالينوس وهو الملك الذي استخدمه، وبيان ذلك قول جالينوس في صدر مقالته الأولى من كتاب علم التشريح وهذا قوله بعينه، قال جالينوس قد كنت وضعت فيما تقدم في علاج التشريح كتاباً في مَقْدمي الأول إلى مدينة رومية، وذلك في أول ملك انطونينوس الملك في وقتنا هذا.
ومما يؤيد هذا، قول جالينوس في الكتاب الذي وضعه في تقييد أسماء كتبه ويعرف ببنكس جالينوس، قال لما رجعت من مدينة رومية وعزمت على المقام بمدينتي، واللزوم لما كانت جرت فيه عادتي، وإذا كُتُب قد وردت من مدينة أقوليا من الملكين يأمران إشخاصي لأنهما كانا قد عزما على أن يشتيا بأقوليا ثم يغزوا أهل جرمانيا، فاضطررت إلى الشخوص إليها وأنا على رجاء أن أعفى إذا استعفيت، لأنه كان قد بلغني عن أحدهما وهو أشبههما بحسن الخلق ولين الجانب، وهو الذي كان اسمه بيرس، فلما ملك انطونينوس من بعد أدريانوس وصيَّر ببرس ولي عهده أشرك في ملكه رجلاً يقال له لوقيس، وسماه بيرس، وسمى هذا الذي كان اسمه بيرس أنطونينوس، فلما صرت إلى بلاد أقوليا عرض فيها من الوباد ما لم يعرض قط، فهرب الملكان إلى مدينة رومية مع عدة من أصحابهما وبقي عامة العسكر بأقوليا، فهلك البعض وسلم البعض، ونالوا جهداً شديداً ليس من أجل الوباء فقط، ولكن من جهة أن الأمر فاجأهم في وسط الشتاء، ومات لوقيوس في الطريق، فحمل أنطونينوس بدنه إلى رومية فدفنه هناك، وهمَّ بغزو أهل جرمانيا، وحرص الحرص كله أن أصحبه، فقلت أن اللَّه تعالى لما خلصني من دبيلة قتالة كانت عرضت لي أمرني بالحج إلى بيته المسمى هيكل أسقليبيوس وسألته الإذن في ذلك فشفعني وأمرني بأن أحج.
ثم انتظرت إلى وقت انصرافه إلى رومية، فإنه قد كان يرجو أن ينقضي حربه سريعاً، وخرج وخلف ابنه قومودس صبياً صغيراً وأمر المتوالين لخدمته وتربيته أن يجتهدوا في حفظ صحته فإن مَرِض دعوني لعلاجه أتولاه.
ففي هذا الزمان جمعت كل ما جمعته من المعلمين وما كنت استنبطته، وفحصت عن أشياء كثيرة، ووضعت كتباً كثيرة لأروض بها نفسي في معان كثيرة من الطب والفلسفة، إحترق أكثرها في هيكل أريني ومعنى أريني السلامة، ولأن أنطونيوس أيضاً في سفره أبطأ خلاف ما كان يقدر فكان ذلك الزمان مهلة في رياضة نفسي.
فهذه الأقاويل وغيرها مما لم نورده لطلبة الاختصار، فقد بان أن جالينوس كان في أيام هذا الملك، وكان عمره في الوقت الذي قدم فيه رومية القدوم الأولى ثلاثين سنة، وذلك بدليل قوله في هذا الكتاب المقدم ذكره عند وصفه ما وضعه في الكتب في التشريح قال جالينوس