وقال المسعودي في كتاب المسالك والممالك إن المدينة الكبرى التي تسمى بالرم من جزيرة صقلية فيها مسجد الجامع الأكبر، وكان بيعة للروم، فيه هيكل عظيم، قال وسمعت بعض المنطقيين يقول أن حكيم يوناني يعني أرسطوطاليس في خشبة معلق في هذا الهيكل الذي قد اتخذه المسلمون مسجداً، وإن النصارى كانت تعظم قدره وتستشفي به لما شاهدت اليونانية عليه من إكباره وإعظامه، وإن السبب في تعليقه بين السماء والأرض ما كان الناس يلاقونه عند الاستشفاء والاستسقاء والأمور المهمة التي توجب الفزع إلى اللَّه تعالى والتقرب إليه في حين الشدة والهلكة وعند وطء بعضهم لبعض، قال المسعودي وقد رأيت هناك خشبة عظيمة يوشك أن يكون القبر فيها.
وقال المبشر بن فاتك وكان أرسطوطاليس كثير التلاميذ من الملوك وأبناء الملوك وغيرهم، منهم ثاوفرسطس، وأذيموس، والاسكندرس الملك، وأرمينوس، وأسخولوس، وغيرهم من الأفاضل المشهورين بالعلم، المبرزين في الحكمة، المعروفين بشرف النسب، وقام من بعده ليعلم حكمته التي صنفها وجلس على كرسيه وورث مرتبته ابن خالته ثاوفرسطس، ومعه رجلان يعينانه على ذلك ويؤازرانه، يسمى أحدهما أرمينوس والآخر أسخولوس، وصنفوا كتباً كثيرة في المنطق والحكمة، وخلف من الولد ابناً صغيراً يقال له نيقوماخس وابنه صغيرة أيضاً، وخلف مالاً كثيراً وعبيداً وإماء كثيرة وغير ذلك.
قال وكان أرسطوطاليس أبيض أجلح قليلاً، حسن القامة، عظيم العظام، صغير العينين، كث اللحية، أشهل العينين اقنى الأنف صغير الفم، عريض الصدر، يسرع في مشيته إذا خلا ويبطئ إذا كان مع أصحابه، ناظراً في الكتب دائماً لا يهذي، ويقف عند كل كلمة، ويطيل الإطراق عند السؤال، قليل الجواب يتنقل في أوقات النهار في الفيافي ونحو الأنهار؛ محباً لاستماع الألحان والاجتماع بأهل الرياضات وأصحاب الجدل، منصفاً من نفسه إذا خصم، معترفاً بموضع الإصابة والخطأ، معتدلاً في الملابس والمآكل والمشارب والمناكح والحركات، بيده آلة النجوم والساعات.
وقال حنين بن إسحق في كتاب نوادر الفلاسفة والحكماء كان منقوشاً على فص خاتم أرسطوطاليس المُنْكِرُ لما يَعْلَم أَعْلَم من المقرِّ بما يعلم.
وقال الشيخ أبو سليمان محمد بن طاهر بن بهرام المنطقي في تعاليقه إن ثيوفرسطس كان وصي أرسطوطاليس، وإن أرسطوطاليس عمر إحدى وستين سنة، قال وأما أفلاطن فإنه عمر كثيراً.وقال ابن النديم البغدادي الكاتب في كتاب الفهرست أن أرسطوطاليس توفي وله ست وستون سنة،ومن خط إسحق ولفظه عاش أرسطوطاليس سبعاً وستين سنة.
وقال القاضي أبو القاسم صاعد بن أحمد بن صاعد في كتاب التعريف بطبقات الأمم أن أرسطوطاليس انتهت إلىه فلسفة اليونانيين، وهو خاتم حكمائه وسيد علمائهم، وهو أول من خلص صناعة البرهان من سائر الصناعات المنطقية، وصورها بالأشكال الثلاثة، وجعلها آلة للعلوم النظرية حتى لقب بصاحب المنطق، وله في جميع العلوم الفلسفية كتب شريفة كلية وجزئية، فالجزئية رسائله التي يتعلم منها معنى واحد فقط، والكلية بعضها تذاكير يتذكر بقراءتها ما قد علم من علمه، وهي السبعون كتاباً التي وضعها لاوفارس، وبعضها تعاليم يتعلم منها ثلاثة أشياء، أحدها علوم الفلسفة، والثاني أعمال الفلسفة، والثالثة الآلة المستعملة في علم الفلسفة وغيره من العلوم.
فالكتب التي في علوم الفلسفة بعضها في العلوم التعليمية، وبعضها في العلوم الطبيعية وبعضها في العلوم الآلهية.
فأما الكتب التي في العلوم التعليمية، فكتابه في المناظر، وكتابه في الخطوط، وكتابه في الحيل، وأما الكتب التي في العلوم الطبيعية فمنها ما يتعلم منه الأمور التي تعم جميع الطبائع، ومنها ما يتعلم منه الأمور التي تخص كل واحد من الطبائع.
فالتي يتعلم منها الأمور التي تعم جميع الطبائع هي كتابه المسمى بسمع الكيان، فهذا الكتاب يعرِّف بعدد المبادئ لجميع الأشياء الطبيعية، وبالأشياء التي هي كالمبادىء، وبالأشياء التوالي للمبادىء، وبالأشياء المشاكلة للتوالي، أما المبادئ، فالعنصر والصورة، وأما التي كالمبادئ فليست مبادئ بالحقيقة بل بالتقريب كالعدم، وأما التوالي فالزمان والمكان، وأما المشاكلة للتوالي فالخلاء، والملاء وما لا نهاية له.