FluentPlex

Lives of the Physicians

كتب أفلاطون

Original text Public domain

Read with the dictionary

وقد كان رجل من أهل أثينية يقال له إيماراوس بعد اجتماع أهل أثينية على ما اجتمعوا عليه من هذا الكتاب شذ عن جماعتهم، وقال بخلاف قولهم في أمر أرسطوطاليس، ووثب إلى العمود الذي كان قد اجتمع أهل أثينية على أن كتبوا فيه ما كتبوا من الثناء ونصبوه في الموضع الذي يسمى أعلى المدينة، فرمى به عن موضعه، فظفر به، بعد أن صنع ما صنع، أنطينوس فقتله، ثم أن رجلاً من أهل أثينية يسمي أصفانوس وجماعة معه عمدوا إلى عمود حجارة فكتبوا فيه من الثناء على أرسطوطاليس شبيهاً بما كان على العمود الأول، وأثبتوا مع ذلك ذكر إيماراوس الذي رمى بالعمود وفعله ما فعل، وأوجبوا لعنه والبراءة منه.

وما أن مات فيلبس وملك الاسكندر بعده وشخص عن بلاده لمحاربة الأمم، وحاز بلاد آسيا، صار أرسطوطاليس إلى التبتل والتخلي عما كان فيه من الاتصال بأمور الملوك والملابسة لهم؛ وصار إلى أثينية فهيأ موضع التعليم، الذي ذكرناه فيما تقدم، وهو المنسوب إلى الفلاسفة المشائين، وأقبل على العناية بمصالح الناس ورفد الضعفاء وأهل الفاقة، وتزويج الأيامى، وعول اليتامى والعناية بتربيتهم، ورفد الملتمسين للتعلم والتأدب من كانوا وأي نوع من العلم والأدب طلبوا، ومعونتهم على ذلك وأنهاضهم؛ والصدقات على الفقراء،و وإقامة المصالح في المدن، وجدد بناء مدينته وهي مدينة أسطاغيرا، ولم يزل في الغاية من لين الجانب والتواضع وحسن اللقاء للصغير والكبير والقوي والضعيف.

وأما قيامه بأمور أصدقائه فلا يوصف، ويدل على ذلك ما كتبه أصحاب السير واتفاقهم جميعاً على ما كتبوه من خبر أرسطوطاليس وسيرته، وقال الأمير المبشر بن فاتك في كتاب مختار الحكم ومحاسن الكلم أن أرسطوطاليس لما بلغ ثماني سنين حمله أبوه إلى بلاد أثينية، وهي المعروفة ببلاد الحكماء، وأقام في لوقين منها فضمه أبوه إلى الشعراء والبلغاء والنحويين، فأقام متعلماً منهم تسع سنين، وكان اسم هذا العلم عندهم المحيط، أعني علم اللسان لحاجة جميع الناس إليه، لأنه الأداة والمراقي إلى كل حكمة وفضيلة، والبيان الذي يتحصل به كل علم، وأن قوماً من الحكماء أزروا بعلم البلغاء واللغويين والنحويين وعنفوا المتشاغلين به،و منهم أبيقورس وفيثاغورس، وزعموا أنه لا يحتاج إلى علمهم في شيء من الحكمة لأن النحويين معلمو الصبيان، والشعراء أصحاب أباطيل وكذب، والبلغاء أصحاب تمحل ومحاباة ومراء، فلما بلغ أرسطوطاليس ذلك أدركته الحفيظة لهم، فناضل عن النحويين والبلغاء والشعراء واحتج منهم، وقال أنه لا غنى للحكمة عن علمهم لأن المنطق أداة لعلمهم وقال إن فضل الإنسان على البهائم بالمنطق، فأحقهم بالأنسية أبلغهم في منطقه وأوصلهم إلى عبارة ذات نفسه، وأوضعهم لمنطقه في موضعه، وأحسنهم اختياراً لأوجزه وأعذبه، ولأن الحكمة أشرف الأشياء فينبغي أن تكون العبارة عنها بأحكم المنطق وأفصح اللهجة، وأوجز اللفظ الأبعد عن الدَّخَل والزلل وسماجة المنطق وقبح اللكنة والعي، فإن ذلك يذهب بنور الحكمة، ويقطع عن الأداء، ويقصر عن الحاجة، ويلبِس على المستمع، ويفسد المعاني، ويورث الشبهة، فلما استكلم علم العراء والنحويين والبلغاء واستوعبه قصد إلى العلوم الأخلاقية والسياسية والطبيعية والتعليمية والإلهية، وانقطع إلى أفلاطن وصار تلميذاً له ومتعلماً منه، وله يومئذ سبع عشر سنة.

قال المبشر بن فاتك وكان أفلاطن يجلس فيستدعي منه الكلام فيقول حتى يحضر الناس، فإذا جاء أرسطوطاليس قال تكلموا فقد حضر الناس، وربما قال حتى يحضر العقل، فإذا حضر أرسطوطاليس قال تكلموا فقد حضر العقل، قال ولما توفي أرسطوطاليس نقل أهل أسطاغيرا رِمَّته بعدما بليت، وجمعوا عظامه وصيروها في إناء من نحاس ودفنوها في الموضع المعروف بالأرسطوطاليسي، وصيروه مجمعاً لهم يجتمعون فيه للمشاورة في جلائل الأمور وما يحزنهم، ويستريحون إلى قبره ويسكنون إلى عظامه، فإذا صعب عليهم شيء من فنون العلم والحكمة آبوا بذلك الموضع وجلسوا إليه، ثم تناظروا فيما بينهم حتى يستنبطوا ما أشكل عليهم، ويصلح لهم ما شجر بينهم، وكانوا يرون أن مجيئهم إلى ذلك الموضع الذي فيه عظام أرسطوطاليس يذكي عقولهم، ويصحح فكرهم ويلطف أذهانهم، وأيضاً تعظيماً له بعد موته، وأسفاً على فراقه، وحزناً لأجل الفجيعة به وما فقدوه من ينابيع الحكمة.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account