FluentPlex

Lives of the Physicians

موفق الدين عبد اللطيف البغدادي

Original text Public domain

Read with the dictionary

وقال أوصيك أن لا تأخذ العلوم من الكتب وإن وثقت من نفسك بقوة الفهم، وعليك بالأستاذين في كل علم تطلب اكتسابه، ولو كان الأستاذ ناقصاً فخذ عنه ما عنده حتى تجد أكمل منه، وعليك بتعظيمه وتوجيبه، وإن قدرت أن تفيده من دنياك فافعل، وإلا فبلسانك وثنائك، وإذا قرأت كتاباً فاحرص كل الحرص على أن تستظهره وتملك معناه وتوهم أن الكتاب قد عدم وأنك مستغن عنه، لا تحزن لفقده، وإذا كنت مكباً على دراسة كتاب وتفهمه فإياك أن تشتغل بآخر معه، ولصرف الزمان الذي تريد صرفه في غيره إليه، وإياك أن تشتغل بعلمين دفعة واحدة، وواظب على العلم الواحد سنة أو سنتين أو ما شاء اللّه، فإذا قضيت منه وطرك فانتقل إلى علم آخر، ولا تظن أنك إذا حصلت علماً فقد اكتفيت بل تحتاج إلى مراعاته لينمو ولا ينقص ، ومراعاته تكون بالذاكرة، والتفكر واشتغال المبتدئ بالتلفظ والتعلم، ومباحثة الأقران، واشتغال العالم بالتعليم والتصنيف، وإذا تصديت لتعليم علم أو للمناظرة فيه فلا تمزج به غيره من العلوم، فإن كل علم مكتف بنفسه مستغن عن غيره، فإن استعانتك في علم بعلم عجز عن استيفاء أقسامه كمن يستعين بلغة في لغة أخرى إذا علمها أو جهل بعضها، قال وينبغي للإنسان أن يقرأ التواريخ، وأن يطلع على السّير وتجارب الأمم فيصير بذلك كأنه في عمره القصير قد أدرك الأمم الخالية،وعاصرهم وعاشرهم، وعرف خيرهم وشرهم.

قال وينبغي أن تكون سيرتك سيرة الصدر الأول، فاقرأ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وتتبع أفعاله وأحواله، واقتف آثاره، وتشبه به ما أمكنك وبقدر طاقتك، وإذا وقفت على سيرته في مطعمه ومشربه وملبسه ومنامه ويقظته وتمرضه وتطببه وتمتعه وتطيبه ومعاملته مع ربه ومع أزواجه وأصحابه وأعدائه، وفعلت اليسير من ذلك فأنت السعيد كل السعيد.

قال وينبغي أن تكثر إيهامك لنفسك ولا تحسن الظن بها، وتعرض خواطرك على العلماء وعلى تصانيفهم، وتتثبت ولا تعجل ولا تعجب فمع العجب العثار، ومع الاستبداد الزلل، ومن لم يعرق جبينه إلى أبواب العلماء لم يعرق في الفضيلة،ومن لم يخجلوه لم يبجله الناس، ومن لم يبكتوه لم يسد، ومن لم يحتمل ألم التعلم لم يذق لذة العلم، ومن لم يكدح لم يفلح، وإذا خلوت من التعلم والتفكر فحرّك لسانك بذكر اللّه وبتسابيحه، وخاصة عند النوم، فيتشربه لبك، ويتعجن في خيالك، وتكلم به في منامك، وإذا حدث لك فرح وسرور ببعض أمور الدنيا فاذكر الموت وسرعة الزوال وأصناف المنغصات، وإذا أحزنك أمر فاسترجع، وإذا اعترتك غفلة فاستغفر، واجعل الموت نصب عينك،والعلم والتقى زادك إلى الآخرة، وإذا أردت أن تعصي اللّه فاطلب مكاناً لا يراك فيه، واعلم أن الناس عيون اللّه على العبد يريهم خيره وإن أخفاه، وشره وإن ستره، فباطنه مكشوف للّه، واللّه يكشفه لعباده، فعليك أن تجعل باطنك خيراً من ظاهرك، وسرك أصبح من علانيتك، ولا تتألم إذا أعرضت عنك الدنيا فلو عرضت لك لشغلتك عن كسب الفضائل، وقلما يتعمق في العلم ذو الثروة، إلا أن يكون شريف الهمة جداً أو أن يثري بعد تحصيل العلم، وإني لا أقول إن الدنيا تعرض عن طالب العلم بل هو الذي يعرض عنها، لأن همته مصروفة إلى العلم فلا يبقى له التفات إلى الدنيا، والدنيا إنما تحصل بحرص وفكر في وجوهها فإذا غفل عن أسبابها لم تأته وأيضاً فإن طالب العلم تشرف نفسه عن الصنائع الرذلة، والمكاسب الدنية، وعن أصناف التجارات، وعن التذلل لأرباب الدنيا والوقوف على أبوابهم، ولبعض إخواني بيت شعر

من جد في طلب العلوم أفاته ... شرف العلوم دناءة التحصيل

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account