وقال الصاحب جمال الدين القاضي الأكرم أبو الحسن علي بن يوسف بن إبراهيم القفطي أن الحكيم موفق الدين أسعد بن المطران لما أسلم وكان نصرانياً، حسن إسلامه، وزوجه الملك الناصر صلاح الدين، قدس اللَّه روحه، إحدى حظايا داره واسمها جوزة، وكانت جوزة هذه جارية خوندخاتون بنت معين الدين وزوجة صلاح الدين، وكانت مدبرة دارها والمتقدمة عندها من جواريها وأعطتها الكثير من حليها وذخائرها، ومولتها وخولتها فرتبت أموره وهذبت أحواله، وحسنت زيه، وجملت ظاهره وباطنه، وصار له ذكر سام في الدولة وحصلت له أموال جمة من أمراء الدولة في حال مباشرته لهم في أمراضهم، وتنافسوا في العطاء له، وترقت حاله عند سلطان إلى أن كاد يكون وزيراً، وكان كثير الاشتمال على أهل هذه الصناعة الطبية والحكمية، يقدمهم ويتوسط في أرزاقهم، قال ولقد أخبرني الفقيه إسماعيل بن صالح بن البناء القفطي،خطيب عيذاب قال لما فتح السلطان الساحل ارتحلت عن عيذاب لزيارة البيت المقدس، فلما حصلت بالشام رأيت جبالاً مشجرة بعدد براري عيذاب المصحرة فاشتقت إلى المقام بالشام، وتحيلت في الرزق به، فقصدت الفاضل عبد الرحيم وسألته كتاباً إلى السلطان في توليتي خطابة قلعة الكرك، فكتب لي كتاباً هو مذكور في ترسله، وهو حسن التلطف، قال فأحضرته إلى دمشق والسلطان بها فأرشدت في عرضه إلى ابن المطران، فقصدته في داره ودخلت عليه بإذنه فرأيته حسن الخلقة والخلق، لطيف الاستماع والجواب، ورأيت داره وهي على غاية من الحسن في العمارة والتجمل، ورأيت أنابيب بركته التي يبرز منها الماء وهي ذهب على غاية ما يكون من حسن الصنعة، ورأيت له غلاماً يتحجين يديه اسمه عمر في غاية جمال الصورة، ثم رأيت من الفرش الطرح، وشممت من الرائحة لطيبة ما هالني، وسألته الحاجة التي قصدته فيها، فأنعم بإنجازها، وقال الصاحب جمال الدين ورأيت زوجته وابن عمر حاجبه، وقد حضرا بعد سنة ستمائة إلى حلب على رقة من الحال، ونزلا في الكنف الملكي الظاهري، سقى اللَّه عهده، وأقيما به بصدقة قررت لهما، وماتت هي بعد مدة ولا أعلم بعدها لولد عمر خبراً، وحدثني الشيخ موفق الدين بن البوري الكاتب النصراني قال لما فتح الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب الكرك، أتى دمشق الحكيم موفق الدين يعقوب بن سقلاب النصراني، وهو شاب على رأسه كوفية وتخفيفة صغيرة، وهو لابس جوخة ملوطة زرقاء، زي أطباء الفرنج، وقصد الحكيم موفق الدين بن المطران، وصار يخدمه ويتردد إليه لعله ينفعه، فقال له هذا الزي الذي أنت عليه ما يمشي لك به حال في الطب في هذه الدولة بين المسلمين، وإنما المصلحة أن تغير زيك، وتلبس عادة الأطباء في بلادنا، ثم أخرج له جبة واسعة عنابية وبقياراً مكملاً وأمره أن يلبسهما، ثم قال له أن هاهنا أميراً كبيراً يقال له ميمون القصري وهو مريض، وأنا أتردد إليه وأداويه، فتعال معي حتى تكون تعالجه، فلما راح معه قال للأمير هذا طبيب فاضل، وأني أعتمد عليه في صناعة الطب، وأثق به فيكون يلزمك ويباشر أحوالك في كل وقت، ويقيم عندك إلى أن تبرأ إن شاء اللّه تعالى، فامتثل قوله وضار الحكيم يعقوب ملازماً له ليلاً ونهاراً إلى أن تعافى فأعطاه خمسمائة دنيار، فلما قبضها حملها إلى ابن المطران وقال له يا مولانا هذا ما أعطاني، وقد أحضرته إلى مولانا، فقال له خذه فأنا ما قصدت إلا نفعك، فأخذه ودعا له.
Lives of the Physicians
موفق الدين بن المطرانOriginal text Public domain
Hover any word on this page for its meaning
With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.