وكان في خدمة الملك الكامل محمد بن أبي بكر بن أيوب، وكان يعتمد عليه في الأدوية المفردة والحشائش، وجعله في الديار المصرية رئيساً على سائر العشابين وأصحاب البسطات، ولم يزل في خدمته إلى أن توفى الملك الكامل رحمه اللَّه بدمشق، وبعد ذلك توجه إلى القاهرة فخدم الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل، وكان حظياً عنده متقدماً في أيامه، وكانت وفاة ضياء الدين العشاب رحمه اللَّه بدمشق في شهر شعبان سنة ست وأربعين وستمائة فجأة.
ولضياء الدين بن البيطار من الكتب، كتاب الإبانة والإعلام، بما في المنهاج من الخلل والأوهام، شرح أدوية كتاب ديسقوريدس، كتاب الجامع في الأدوية المفردة، وقد استقصى في ذكر الأدوية المفردة وأسمائها وتحريرها وقواها ومنافعها، وبين الصحيح منها وما وقع الاشتباه فيه، ولم يوجد في الأدوية المفردة كتاب أجل ولا أجود منه، وصنفه للملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل، كتاب المغني في الأدوية المفردة، وهو مرتب بحسب مداواة الأعضاء الآلمة، كتاب الأفعال الغريبة والخواص العجيبة.
الباب الخامس عشر
طبقات الأطباء المشهُورين منْ أطباء الشَام
أبو نصر الفارابي
هو أبو نصر محمد بن محمد بن أوزلغ بن طرخان، مدينته فاراب، وهي مدينة من بلاد الترك في أرض خراسان، وكان أبوه قائد جيش، وهو فارسي المنتسب، وكان ببغداد مدة ثم انتقل إلى الشام وأقام بها إلى حين وفاته، وكان رحمه الله فيلسوفاً كاملاً وإماماً فاضلاً قد أتقن العلوم الحكمية، وبرع في العلوم الرياضية، زكي النفس، قوي الذكاء، متجنباً عن الدنيا، مقتنعاً منها بما يقوم بأوده، يسير سيرة الفلاسفة المتقدمين، وكانت له قوة في صناعة الطب، وعلم بالأمور الكلية منها، ولم يباشر أعمالها، ولا حاول جزئياتها.
وحدثني سيف الدين أبو الحسن علي بن أبي علي الآمدي أن الفارابي كان في أول أمره ناطوراً في بستان بدمشق وهو على ذلك دائم الاشتغال بالحكمة والنظر فيها، والتطلع إلى آراء المتقدمين وشرح معانيها، وكان ضعيف الحال حتى إنه كان في الليل يسهر للمطالعة والتصنيف، ويستضيء بالقنديل الذي للحارس، وبقي كذلك مدة، ثم إنه عظم شأنه وظهر فضله، واشتهرت تصانيفه وكثرت تلاميذه، وصار أوحد زمانه وعلامة وقته، واجتمع به الأمير سيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد اللَّه بن حمدان التغلبي وأكرمه إكراماً كثيراً، وعظمت منزلته عنده وكان له مؤثراً، ونقلت من خط بعض المشايخ أن أبا نصر الفارابي سافر إلى مصر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، ورجع إلى دمشق، وتوفي بها في رجب سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة عند سيف الدولة علي بن حمدان في خلافةالراضي، صلى عليه سيف الدولة في خمسة عشر رجلاً من خاصته، ويذكر أنه لم يكن يتناول من سيف الدولة من جملة ما ينعم به عليه سوى أربعة دراهم فضة في اليوم يخرجها فيما يحتاجه من ضروري عيشه، ولم يكن معتنياً بهيئة ولا منزل ولا مكسب، ويذكر أنه كان يتغذى بماء قلوب الحملان مع الخمر الريحاني فقط، ويذكر أنه كان في أول أمره قاضياً فلما شعر بالمعارف نبذ ذلك، وأقبل بكليته على تعلمها، ولم يسكن إلى نحو من أمور الدنيا البتة، ويذكر أنه كان يخرج إلى الحراس بالليل من منزله يستضيء بمصابيحهم فيما يقرؤه، وكان في علم صناعة الموسيقا وعملها قد وصل إلى غاياتها وأتقنها إتقاناً لا مزيد عليه، ويذكر أنه صنع آلة غريبة يستمع منها ألحاناً بديعة يحرك بها الانفعالات، ويذكر أن سبب قراءته الحكمة أن رجلاً أودع عنده جملة من كتب أرسطوطاليس، فاتفق أن نظر فيها فوافقت منه قبولاً وتحرك إلى قراءتها ولم يزل إلى أن أتقن فهمها وصار فيلسوفاً بالحقيقة.