ونقلت من كلام لأبي نصر الفارابي في معنى اسم الفلسفة قال اسم الفلسفة يوناني وهو دخيل في العربية، وهو على مذهب لسانهم فيلسوفاً ومعناه إيثار الحكمة، وهو في لسانهم مركب من فيلا ومن سوفيا، ففيلا الإيثار وسوفيا الحكمة،والفيلسوف مشتق من الفلسفة، وهو على مذهب لسانهم فيلسوفوس، فإن هذا التغيير هو تغيير كثير من الاشتقاقات عندهم، ومعناه المؤثر للحكمة، والمؤثر للحكمة عندهم هو الذي يجعل الوكد من حياته وغرضه من عمره الحكمة، وحكى أبو نصر الفارابي في ظهور الفلسفة ما هذا نصه قال إن أمر الفلسفة اشتهر في أيام ملوك اليونانيين، وبعد وفاة أرسطوطاليس بالإسكندرية إلى آخر أيام المرأة، وأنه لما توفي بقي التعليم بحاله فيها إلى أن ملك ثلاثة عشر ملكاً، وتوالى في مدة ملكهم من معلمي الفلسفة اثنا عشر معلماً أحدهم المعروف بأندرونيقوس، وكان آخر هؤلاء الملوك المرأة فغلبها أوغسطس الملك من أهل رومية، وقتلها واستحوذ على الملك، فلما استقر له نظر في خزائن الكتب وصنعها، فوجد فيها نسخاً لكتب أرسطوطاليس قد نسخت في أيامه وأيام ثاوفرسطس، ووجد المعلمين والفلاسفة قد عملوا كتباً في المعاني التي عمل فيها أرسطو، فأمر أن تنسخ تلك الكتب التي كانت نسخت في أيام أرسطو وتلاميذه، وأن يكون التعليم منها، وأن ينصرف عن الباقي، وحكم أندرونيقوس في تدبير ذلك، وأمره أن ينسخ نسخاً يحملها معه إلى رومية ونسخاً يبقيها في موضع التعليم بالإسكندرية؛ وأمره أن يستخلف معلماً يقوم مقامه بالإسكندرية ويسير معه إلى رومية، فصار التعليم في موضعين وجرى الأمر على ذلك إلى أن جاءت النصرانية فبطل التعليم من رومية، وبقي بالإسكندرية إلى أن نظر ملك النصرانية في ذلك، واجتمعت الأساقفة وتشاوروا فيما يترك من هذا التعليم وما يبطل، فرأوا أن يعلم من كتب المنطق إلى آخر الأشكال الوجودية، ولا يعلم مابعده، لأنهم رأوا أن في ذلك ضرراً على النصرانية، وإن فيما أطلقوا تعليمه ما يستعان به على نصرة دينهم فبقي الظاهر من التعليم هذا المقدار، وما ينظر فيه من الباقي مستوراً إلى أن كان الإسلام بعده بمدة طويلة فانتقل التعليم من الإسكندرية إلى أنطاكية، وبقي بها زمناً طويلاً إلى أن بقي معلم واحد فتعلم منه رجلان وخرجا ومعهما الكتب، فكان أحدهما من أهل حران والآخر من أهل مرو، فأما الذي من أهل مرو فتعلم منه رجلان أحدهما إبراهيم المروزي والآخر يوحنا ابن حيلان، وتعلم من الحراني إسرائيل الأسقف وقويري وسار إلى بغداد فتشاغل إبراهيم بالدين، وأخذ قويري في التعليم وأما يوحنا بن حيلان فإنه تشاغل أيضاً بدينه وانحدر إبراهيم المروزي إلى بغداد فأقام بها، وتعلم من المروزي متى بن يونان، وكان الذي يتعلم في ذلك الوقت إلى آخر الأشكال الوجودية، وقال أبو نصر الفارابي عن نفسه أنه تعلم من يوحنا بن حيلان إلى آخر كتاب البرهان، وكان يسمى ما بعد الأشكال الوجودية الجزء الذي لا يقرأ إلى أن قرئ ذلك، وصار الرسم بعد ذلك حيث صار الأمر إلى معلمي المسلمين أن يقرأ من الأشكال الوجودية إلى حيث قدر الإنسان أن يقرأ، فقال أبو نصر إنه قرأ إلى آخر كتاب البرهان.
وحدثني عمي رشيد الدين أبو الحسن علي بن خليفة رحمه اللَّه إن الفارابي توفي عند سيف الدولة بن حمدان في رجب سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، وكان أخذ الصناعة من يوحنا بن حيلان ببغداد في أيام المقتدر، وكان في زمانه أبو المبشر متى بن ويونان وكان أسن من أبي نصر، وأبو نصر أحد ذهنا وأعذب كلاماً، وتعلم أبو المبشر متى من إبراهيم المروزي وتوفي أبو المبشر في خلافة الراضي فيما بين سنة ثلاث وعشرين إلى سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وكان يوحنا بن حيلان وإبراهيم المروزي قد تعلما جميعاً من رجل من أهل مرو.