FluentPlex

Lives of the Physicians

إسحاق بن يونس

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

وكنت منذ السنة الثانية والثلاثين إلى يومي هذا أعمل تذكرة لي وأغيرها في كل سنة إلى أن قررتها على هذا التقرير الذي أستقبل به السنة الستين من ذلك، أتصرف في كل يوم في صناعتي بمقدار ما يغني، ومن الرياضة التي تحفظ صحة البدن، وأغتذي بعد الاستراحة من الرياضة غذاء أقصد به حفظ الصحة، وأجتهد في حال تصرفي في التواضع والمداراة وغياث الملهوف، وكشف كربة المكروب، وإسعاف المحتاج، وأجعل قصدي في كل ذلك الالتذاذ بالأفعال، والانفعالات الجميلة، ولا بد أن يحصل مع ذلك، كسب ما ينفق فأنفق منه على صحة بدني، وعمارة منزلي نفقة لا تبلغ التبذير، ولا تنحط إلى التقتير وتلزم الحال الوسطى بقدر ما يوجبه التعقل في كل وقت، وأتفقد آلات منزلي فما يحتاج إلى إصلاح أصلحته، وما يحتاج إلى بدل بدلته، وأعد في منزلي ما يحتاج إليه من الطعام والشراب، والعسل والزيت والحطب، وما يحتاج إليه من الثياب، فما فضل بعد ذلك له صرفته في وجوه الجميل والمنافع مثل إعطاء الأهل والإخوان والجيران، وعمارة المنزل، وما اجتمع من غلة أملاكي ادخرته لعمارتها ومرمّتها، ولوقت الحاجة إلى مثله، وإذا هممت لتجديد أمر مثل تجارة أو بناء أو غير ذلك فرضته مطلوباً، وحللته إلى موضوعاته ولوازمها، فإن وجدته من الممكن الأكثر بادرت إليه، وإن وجدته من الممكن القليل اطرحته، وأتعرف ما يمكنني تعريفه من الأمور المزمعة وآخذ له أهبته، وأجعل ثيابي مزينة بشعار الأخيار والنظافة وطيب الرائحة، وألزم الصمت وكف اللسان عن معايب الناس، وأجتهد أن لا أتكلم إلا بما ينبغي، وأتوقى الأيمان ومثالب الآراء، فأحذر العجب وحب الغلبة، وأطرح الهم الحرصي والاغتمام، وإن دهمني أمر فادح أسلمت فيه إلى اللَّه تعالى، وقابلته بما يوجبه التعقل من غير جبن ولا تهور، ومن عاملته عاملته يداً بيد، لا أسف ولا أتسلف، إلا أن أضطر لذلك، وإن طلب مني أحد سلفاً وهبت منه، ولم أرد منه عوضاً وما بقي من يومي بعد فراغي من رياضتي صرته في عبادة اللَّه سبحانه بأن أتنزه بالنظر في ملكوت السموات والأرض، وتمجيد محكمها، وأتدبر مقالة أرسطاطاليس في التدبير، وآخذ نفسي بلزوم وصاياها بالغداة والعشي، وأتفقد في وقت خلوتي ما سلف في يومي من أفعالي وانفعالاتي، فما كان خيراً أو جميلاً أو نافعاً سررت به، وما كان شراً أو قبيحاً أو ضاراً اغتممت به، ووافقت نفسي بأن لا أعود إلى مثله، وأما الأشياء التي أتنزه فيها فلأني فرضت نزهتي ذكر اللَّه عز وجل وتمجيده بالنظر في ملكوت السماء والأرض، وكان قد كتب القدماء والعارفون في ذلك كتباً كثيرة رأيت أن أقتصر منها على ما أنصه من ذلك خمسة كتب من كتب الأدب؛ وعشرة كتب من كتب الشرع؛ وكتب أبقراط وجالينوس في صناعة الطب وما جانسها مثل كتاب الحشائش لديسقوريدس، وكتب روفس، وأريباسيوس، وبولس وكتاب الحاوي للرازي؛ ومن كتب الفلاحة والصيدلة أربعة كتب؛ ومن كتب التعاليم المجسطي ومداخله، وما أنتفع به فيه والمربعة لبطلميوس؛ ومن كتب العارفين كتب أفلاطن، وأرسطوطاليس، والإسكندر، وثامطيوس، ومحمد الفارابي، وما أنتفع به فيها، وما سوى ذلك إما أبيعه بأي ثمن اتفق، وإما أن أخزنه في صناديق، وبيعه أجود من خزنه، أقول هذا جملة ما ذكره من سيرته، وإن مولده في ديار مصر بالجيزة ونشأ بمدينة مصر، وكان أبوه فراناً ولم يزل ملازماً للاشتغال والنظر في العلم إلى أن تميز وصار له الذكر الحسن والسمعة العظيمة، وخدم الحاكم وجعله رئيساً على سائر المتطببين، وكانت دار ابن رضوان بمدينة مصر في قصر الشمع، وهي الآن تعرف به، وقد تهدمت ولم يتبين إلا بقايا يسيرة من آثارها، وحدث في الزمان الذي كان فيه ابن رضوان بديار مصر الغلاء العظيم، والغلاء الفادح الذي هلك به أكثر أهلها، ونقلت من خط المختار بن الحسن بن بطلان أن الغلاء عرض بمصر في سنة خمس وأربعين وأربعمائة قال ونقص النيل في السنة التي تليها، وتزايد الغلاء، وتبعه وباء عظيم، واشتد وعظم في سنة سبع وأربعين وأربعمائة، وحكي أن السلطان كفن من ماله ثمانين ألف نفس، وأنه فقد ثمانمائة قائد، وحصل للسلطان من المواريث مال زيل.

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا