من أعيان أهل إشبيلية، وكان محققاً للعلوم الحكمية، متقناً لها معتنياً بكتب أرسطوطاليس وغيره من الحكماء المتقدمين؛ فاضلاً في صناعة الطب، متميزاً فيها، خبيراً بأصولها وفروعها؛ حسن المعالجة، محمود الطريقة، وخدم لأبي يعقوب والد المنصور، وكان من طلبة الفقيه أبي بكر بن العربي لازمه مدة واشتغل عليه بعلم الحديث، وكان أبو جعفر بن هارون يروي الحديث وهو شيخ أبي الوليد ابن رشد في التعاليم والطب، وأصله من ترجالة من غور الأندلس، وهي التي أصابها المنصور خالية، وهرب أهلها وعمرها المسلمون، وكان أبو جعفر هارون أيضاً عالماً بصناعة الكحل، وله آثار فاضلة في المداواة.
حدثني القاضي أبو مروان محمد بن أحمد بن عبد الملك اللخمي، ثم الباجي أن أخاه القاضي أبا عبداللَّه محمد بن أحمد لما كان صغيراً أصاب عينه عود، واخترق السواد حتى أنه يئس له من البرء فاستدعى أبوه أبا جعفر بن هارون، وأراه عين ولده وقال له أنا أدفع لك ثلاثمائة دينار وتعالجها فقال واللَّه ما حاجة إلى هذا الذي ذكرته، وإنما أداويه ويصلح إن شاء اللَّه تعالى، وشرع في مداواته إلى أن صلحت عينه وأبصر بها، وأصاب ابن هارون خدر وضعف في أعضائه فالتزم داره بإشبيلية وكان يطب الناس، وتوفي بإشبيلية.
أبو الوليد بن رشد
هو القاضي أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد؛ مولده ومنشؤه بقرطبة مشهور بالفضل معتن بتحصيل العلوم، أوحد في علم الفقه والخلاف، واشتغل على الفقيه الحافظ أبي محمد بن رزق، وكان أيضاً متميزاً في علم الطب، وهو جيد التصنيف حسن المعاني، وله في الطب كتاب الكليات، وقد أجاد في تأليفه، وكان بينه وبين أبي مروان بن زهر مودة، ولما ألف كتابه هذا في الأمور الكلية قصد من ابن زهر أن يؤلف كتاباً في الأمور الجزئية لتكون جملة كتابيهما ككتاب كامل في صناعة الطب، ولذلك يقول ابن رشد في آخر كتابه ما هذا نصه، قال فهذا هو القول في معالجة جميع أصناف الأمراض بأوجز ما أمكننا وأبينه، وقد بقي علينا من هذا الجزء القول في شفاء عرض عرض من الأعراض الداخلة على عضو من الأعضاء، وهذا وإن لم يكن ضرورياً لأنه منطو بالقوة فيما سلف من الأقاويل الكلية ففيه تتميم ما وارتياض، لأنا ننزل فيها إلى علاجات الأمراض بحسب عضو عضو، وهي الطريقة التي سلكها أصحاب الكنانيش، حتى نجمع في أقاويلنا هذه إلى الأشياء الكلية الأمور الجزئىة، فإن هذه الصناعة أحق صناعة ينزل فيها إلى الأمور الجزئىة ما أمكن إلا أنا نؤخر هذا إلى وقت نكون فيه أشد فراغاً لعنايتنا في هذا الوقت بما يهم من غير ذلك، فمن وقع له هذا الكتاب دون هذا الجزء، وأحب أن ينظر بعد ذلك إلى الكنانيش فأوفق الكنانيش له الكتاب الملقب بالتيسير الذي ألفه في زماننا هذا أبو مروان بن زهر وهذا الكتاب سألته أنا إياه وانتسخته فكان ذلك سبيلاً إلى خروجه، وهو ما قلنا كتاب الأقاويل الجزئية التي قلت فيها، شديدة المطابقة للأقاويل الكلية، إلا أنه مزج هنالك مع العلاج العلامات، وإعطاء الأسباب على عادة أصحاب الكنانيش، ولا حاجة لمن يقرأ كتابنا هذا إلى ذلك بل يكفيه من ذلك مجرد العلاج فقط، وبالجملة من تحصل له ما تبناه من الأقاويل الكلية أمكنه أن يقف على الصواب والخطأ من مداواة أصحاب الكنانيش في تفسير العلاج والتركيب.