وحدثني الشيخ سديد الدين المنطقي في القاهرة سنة اثنين وثلاثين وستمائة أن أبا الصلت أمية بن عبد العزيز كان سبب حبسه في الإسكندرية أن مركباً كان قد وصل إليها، وهو موقر بالنحاس فغرق قريباً منها، ولم تكن لهم حيلة تخليصه لطول المسافة في عمق البحر ففكر أبو الصلت في أمره وأجال النظر في هذا المعنى حتى تلخص له فيه رأي، واجتمع بالأفضل بن أمير الجيوش ملك الإسكندرية وأوجده أنه قادر أن تهيأ له جميع ما يحتاج إليه من الآلات أن يرفع المركب من قعر البحر، ويجعله على وجه الماء مع ما فيه من الثقل فتعجب من قوله، وفرح به، وسأله أن يفعل ذلك، ثم آتاه على جميع ما يطلبه من الآلات وغرم عليها جملة من المال، ولما تهيأت وضعها في مركب عظيم على موازاة المركب الذي قد غرق، وأرسى إليه حبالاً مبرومة من الإبريسم وأمر قوماً لهم خبرة في البحر أن يغوصوا ويوثقوا ربط الحبال بالمركب الغارق وكان قد صنع آلات بأشكال هندسية لرفع الأثقال في المركب الذي هم فيه، وأمر الجماعة بما يفعلونه في تلك الآلات، ولم يزل شأنهم ذلك والحبال الإبريسم ترتفع إليهم أولاً فأولاً وتنطوي على دواليب بين أيديهم حتى بان لهم المركب الذي كان قد غرق، وارتفع إلى قريب من سطح الماء، ثم عند ذلك انقطعت الحبال الإبريسم، وهبط المركب راجعاً إلى قعر البحر، ولقد تلطف أبو الصلت جداً فيما صنعه، وفي التحيل إلى رفع المركب، إلا أن القدر لم يساعده وحنق عليه الملك لما غرمه من الآلات وكونها مرت ضائعة، وأمر بحبسه، وأن يستوجب ذلك، وبقي في الاعتقال مدة إلى أن شفع فيه بعض الأعيان وأطلق، وكان ذلك في خلافة الآمر بأحكام اللّه؛ ووزارة الملك الأفضل بن أمير الجيوش.
ونقلت من رسائل الشيخ أبي اقاسم علي بن سليمان المعروف بابن الصيرفي في ما هذا مثاله، قال وردتني رقعة من الشيخ أبي الصلت، وكان معتقلاً وفي آخرها نسخة قصيدتين خدم بهما المجلس الأفضلي أول الأولى منهما
الشمس دونك في المحل ... والطيب ذكرك بل أجل
وأول الثانية
نسخت غرائب مدحك التشبيبا ... وكفى بها غزلاً لنا ونسيبا
فكتبت إليه
لئن سترتك الجدر عنا فربما ... رأينا جلابيب السحاب على الشمس
وردتني مولاي فأخذت في تقبيلها وارتشافها، قبل التأمل لمحاسنها واستشفافها، حتى كأني ظفرت بيد مصدرها، وتمكنت من أنامل كاتبها ومسطرها، ووقفت على ما تضمنته من الفضل الباهر، وما أودعتها من الجواهر التي قذف بها فيض الخاطر، فرأيت ما قيد فكري وطرفي، وجل عن مقابلة تقريظي ووصفي، وجعلت أجدد تلاوتها مستفيداً، وأرددها مبتدئاً فيها ومعيداً
نكرر طوراً من قراة فصوله ... فإن نحن أتممنا قراءته عدنا
إذا ما نشرناه فكالمسك نشره ... ونطويه لا طي السآمة بل ضنا
فأما ما اشتملت عليه من الرضا بحكم الدهر ضروره، وكون ما اتفق له عارض بتحقق ذهابه ومروره، ثقة بعواطف السلطان، خلد اللّه أيامه ومراحه، وسكوناً إلى ما جبلت النفوس عليه من معرفة فواضله ومكارمه، فهذا قول مثله ممن طهر اللّه نيته، وحفظ دينه، ونزه عن الشكوك ضميره ويقينه، ووفقه بلطفه لاعتقاد الخير واستشعاره، وصانه عما يؤدي إلى عاب الإثم وعاره
لا يؤيسنك من تفرج كربة ... خطب رماك به الزمان الأنكد
صبراً فإن اليوم يتبعه غد ... ويد الخلافة لا تطاولها يد
وأما ما أشار إليه من أن الذي مني به تمحيص أوزار سبقت، وتنقيص ذنوب اتفقت، فقد حاشاه اللّه من الدنايا، وبرأه من الآثام والخطايا، بل ذاك اختبار لتوكله وثقته، وابتلاء لصبره وسريرته كما يبتلى المؤمنون الاتقياء، ويمتحن الصالحون والأولياء، واللّه تعالى يدبره بحسن تدبيره ، ويقضي له بما الحظ في تسهيله وتيسيره، بكرمه، وقد اجتمعت بفلان فأعلمني أنه تحت وعد أداه الاجتهاد إلى تحصيله وإحرازه، ووثق من المكارم الفائضة بالوفاء به وإنجازه، وأنه ينتظر فرصة في التذكار ينتهزها ويغتنمها، ويرتقب فرجة للخطاب يتولجها ويقتحمها، واللّه تعالى يعينه على ما يضمر من ذلك وينويه، ويوفقه فيما يحاوله ويبغيه.