هو أبو عثمان سعيد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد ربه بن حبيب بن محمد بن سالم مولى الأمير هشام الرضي بن عبد الرحمن الداخل بالأندلس، وهو ابن أخي أبي عمرو وأحمد بن محمد بن عبد ربه الشاعر صاحب كتاب العقد، وكانت وفاة عمه هذا أحمد بن محمد بن عبد ربه في شهر جمادى الأولى من سنة ثمان وعشرين، ومولده في سنة ست وأربعين ومائتين لعشر خلون من شهر رمضان، وكان سعيد ابن عبد ربه طبيباً فاضلاً وشاعراً محسناً، وله في الطب رجز جليل محتو على جملة حسنة منه دل به على تمكنه من العلم وتحققه لمذاهب القدماء وكان له مع ذلك بصر بحركات الكواكب وطبائعها، ومهاب الرياح وتغير الأهوية، وكان مذهبه في مداواة الحميات أن يخلط بالمبردات شيئاً من وله في ذلك مذهب جميل ولم يخدم بالطب سلطاناً، وكان بصيراً بتقدمة المعرفة، وتغيير الأهوية، ومهب الرياح، وحركة الكواكب، قال ابن جلجل حدثني عنه سليمان بن أيوب الفقيه قال، قال اعتللت بحمة فطاولتني وأشرفت منها، إذ مر بأبي وهو ناهض إلى صاحب المدينة أحمد بن عيسى، فقام إليه وقضى واجب حقه بالسلام عليه، وسأله عن علتي واستخبر أبي عما عولجت به، فسفه علاج من عالجني وبعث إلى أبي بثمان عشرة حبة من حبوب مدورة، وأمر أن أشرب منها كل يوم حبة فما استوعبتها حتى أقلعت الحمى وبرئت برأ تاماً، وعمي سعيد في آخر أيامه، ومن شعر سعيد بن عبد ربه أنه افتصد يوماً فبعث إلى عمه أحمد بن محمد بن عبد ربه الشاعر الأديب راغباً إليه في أن يحضر عنده مؤانساً له، فلم يجبه عمه إلى ذلك وأبطأ عنه فكتب إليه
لما عدمت مؤانساً وجليساً ... نادمت بقراطاً وجالينوسا
وجعلت كتبهما شفاء تفردي ... وهما الشفاء لكل جرح يوسا
ووجدت علمها إذا حصلته ... يذكي ويحيى للجسوم نفوسا
فلما وصل الشعر إلى عمه جاوبه بأبيات منها
ألفيت بقراطاً وجالينوسا ... لا يأكلان ويرزآن جليسا
فجعلتهم دون الأقارب جنة ... ورضيت منهم صاحبا وأنيسا
وأظن بخلك لا يرى لك تاركاً ... حتى تنادم بعدهم إبليسا
وقال سعيد بن عبد ربه أيضاً في آخر عمره، وكان جميل المذهب منقبضاً عن الملوك
أمن بعد غوصي في علوم الحقائق ... وطول ابنساطي في مواهب خالقي
وفي حين إشرافي على ملكوته ... أرى طالباً رزقاً إلى غير رازقي
وأيام عُمر المرء متعة ساعة ... تجيء حثيثاً مثل لمحة بارق
وقد أذنت نفسي بتقويض رحلها ... وأسرع في سوقي إلى الموت سائقي
وإني وإن أوغلت أو سرت هارباً ... من الموت في الآفاق فالموت لاحقي
ولسعيد بن عبد ربه من الكتب كتاب الأقراباذين، تعاليق ومجربات في الطب، أرجوزة في الطب.
عمر بن حفص بن برتق
كان طبيباً فاضلاً قارئاً للقرآن مطرب الصوت، وكان له رحلة إلى القيروان إلى أبي جعفر بن الجزار لزمه ستة أشهر لا غير، وهو أدخل إلى الأندلس كتاب زاد المسافر، ونبل بالأندلس وخدم بالطب الناصر، وكان نجم بن طرفة البيازرة قد استخلصه لنفسه وقام به وأغناه وشاركه في كل دنياه ولم يطل عمره.
أصبغ بن يحيى
كان متقدماً في صناعة الطب، وخدم بها الناصر، وألف له حب الأنيسون، وكان شيخاً وسيماً بهياً سريا معظماً عند الرؤساء.
محمد بن تمليح
كان رجلاً ذا وقار وسكينة ومعرفة بالطب والنحو واللغة والرواية، وخدم الناصر بصناعة الطب، وكان المقيم برئاسته أحمد بن إلياس القائد، وولاه الناصر خطبة الردّ وقضاء شذونة، وله في الطب تأليف حسن الأشكال، وأدرك صدراً من دولة الحكم المستنصر باللّه وكان حظياً عنده وخدمه بصناعة الطب، قال القاضي صاعد وولاه النظر في بنيان الزيادة من قبلي الجامع بقرطبة، فتولى ذلك وكملت تحت إشرافه وأمانته، ورأيت اسمه مكتوباً بالذهب وقطع الفسيفساء على حائط المحراب بها، وإن ذلك البنيان كمل على يديه عن أمر الخليفة الحكم في سنة ثمان وخمسين وثلثمائة ولمحمد بن تمليح من الكتب كتاب في الطب.
أبو الوليد بن الكتاني