قال أحمد، قال لي أبو سلمة فاقبلنا نسمع صوت ضرب بدن بكف، ثم انقطع عنا ذلك الصوت، ثم سمعنا تكبيراً فخرج إلينا صالح وهو يكبر ثم قال قم يا أمير المؤمنين حتى أريك عجباً، فدخل إليه الرشيد وأنا ومسرور الكبير، وأبو سليم معه، فأخرج صالح إبرة كانت معه فأدخلها بين ظفر إبهام يده اليسرى ولحمه، فجذب إبراهيم بن صالح يده وردها إلى بدنه، فقال صالح يا أمير المؤمنين هل يحس الميت بالوجع؟ فقال الرشيد لا، فقال له صالح لو شئت أن يكلم أمير المؤمنين الساعة لكلمه، فقال له الرشيد فأنا أسألك أن تفعل ذلك فقال يا أمير المؤمنين أخاف إن عالجته وأفاق وهو في كفن فيه رائحة الحنوط أن ينصدع قلبه فيموت موتاً حقيقياً، فلا يكون لي في إحيائه حيلة، ولكن يا أمير المؤمنين تأمر بتجريده من الكفن ورده إلى المغتسل وإعادة الغسل عليه حتى تزول رائحة الحنوط عنه، ثم يلبس مثل ثيابه التي كان يلبسها في حال صحته وعلته، ويطيب بمثل ذلك الطيب ويحول إلى فراش من فرشه التي كان يجلس وينام عليها، حتى أعالجه بحضرة أمير المؤمنين، فإنه يكلمه من ساعته، قال أحمد، قال أبو سلمة فوكلني الرشيد بالعمل بما حده صالح، ففعلت ذلك، ثم صار الرشيد وأنا ومسرور وأبو سليم وصالح إلى الموضع الذي فيه إبراهيم، ودعا صالح بكندس ومنفخة من الخزانة ونفخ من الكندس في أنفه فمكث مقدار ثلث ساعة، ثم اضطرب بدنه وعطس وجلس قدام الرشيد، وقبل يده وسأله عن قصته، فذكر أنه كان نائماً لا يذكر أنه نام مثله قط طيباً إلا أنه رأى في منامه كلباً قد أهوى إليه فتوقاه بيده، فعض إبهام يده اليسرى عضة انتبه وهو يحس وجعها، وأراه إبهامه التي كان صالح أدخل فيها الإبرة وعاش إبراهيم بعد ذلك دهراً ثم تزوج العباسة بنت المهدي وولي مصر وفلسطين وتوفي بمصر وقبره بها.
الباب الثالث عشر
طبقات الأطباء الذين ظهروا في بلاد المغرب وأقاموا بها
اسحاق بن عمران
طبيب مشهور وعالم مذكور ويعرف باسم ساعة، وقال سليمان ابن حسان المعروف بابن جلجل إن إسحاق بن عمران مسلم النحلة، وكان بغدادي الأصل، ودخل إفريقية في دولة زيادة اللّه بن الأغلب التميمي وهو استجلبه وأعطاه شروطاً ثلاثة لم يف له بأحدها، بعث إليه عند وروده عليه راحلة أقلته وألف دينار لنفقته، وكتاب أمان بخط يده متى أحب الانصراف إلى وطنه انصرف وبه ظهر الطب بالمغرب وعرفت الفلسفة، وكان طبيباً حاذقاً متميزاً بتأليف الأدوية المركبة بصيراً بتفرقة العلل، أشبه الأوئل في علمه وجودة قريحته، استوطن القيروان حيناً، وألف كتباً منها كتابه العروف بنزهة النفس، وكتابه في داء المالنخوليا لم يسبق مثله، وكتابه في الفصد، وكتاب في النبض.