FluentPlex

Lives of the Physicians

كيفية وجود صناعة الطب وأول حدوثها

Original text Public domain

Read with the dictionary

فالذين قالوا أن الطب من اللَّه تعالى، قال بعضهم هو إلهام بالرؤيا، واحتجوا بأن جماعة رأوا في الأحلام أدوية استعملوها في اليقظة فشفتهم من أمراض صعبة، وشفت كل من استعملها، وقال قوم ألهمها اللَّه تعالى بالتجربة ثم زاد الأمر في ذلك وقوي، واحتجوا أن إمرأة كانت بمصر وكانت شديدة الحزن والهم، مبتلاة بالغنظ والدرد، ومع ذلك فكانت ضعيفة المعدة، وصدرها مملوء إخلاطاً رديئة، وكان حيضها محتبساً، فاتفق لها أن أكلت الراسن مراراً كثيرة بشهوة منها له، فذهب عنها جميع ما كان بها ورجعت إلى صحتها، وجميع من كان به شيء مما كان بها لما استعمله بَرَأَ بِهِ، فاستعمل الناس التجربة على سائر الأشياء، والذين قالوا أن اللَّه تعالى خلق صناعة الطب، احتجوا في ذلك بأنه لا يمكن في هذا العلم الجليل أن يستخرجه عقل إنسان، وهذا الرأي هو رأي جالينوس، وهذا نص ما ذكره في تفسيره لكتاب الإيمان لأبقراط، قال وأما نحن فالأصوب عندنا والأولى أن نقول أن اللّه تبارك وتعالى خلق صناعة الطب وألهمها الناس، وذلك أنه لايمكن في مثل هذا العلم الجليل أن يدركه عقل الإنسان، لكن اللّه تبارك وتعالى هو الخالق الذي هو بالحقيقة فقط يمكنه خلقه، وذلك أنا لا نجد الطب أحسن من الفلسفة التي يرون أن استخراجها كان من عند اللّه تبارك وتعالى، ووجدت في كتاب الشيخ موفق الدين أسعد بن إلياس بن المطران الذي وسمه ببستان الأطباء وروضة الألباء، كلاماً نقله عن أبي جابر المغربي وهو هذا، قال سبب وجود هذه الصناعة وحي وإلهام، والدليل على ذلك أن هذه الصناعة موضوعة للعناية بأشخاص الناس، إما لأن تفيدهم الصحة عند المرض، وأما لأن تحفظ الصحة عليهم، وممتنع أن تعني الصناعة بالأشخاص بذاتها دون أن تكون مقرونة بعلم أمر هذه الأشخاص التي خصت العناية بها، ومن البيّن أن الأشخاص ذوات مبدأ لوقوعها تحت العدد وكل معدود فأوله واحد تكثّر، ولا يجوز أن تكون أشخاصُ الناس إلى ما لا نهاية له لأن خروج ما لا نهاية له إلى الفعل محال قال ابن المطران ليس كل ما لا يقدر على حصره فلا نهاية له، بل قد تكون له نهاية يضعف عن حصرها، قال أبو جابر وإذا كانت الأشخاص التي لا تقوم هذه الصناعة إلا بها ذوات مبدأ ضرورةً، فالصناعة ذات مبدأ ضرورة، ومن البين أن الشخص الذي هو أول الكثرة مفتقر إليها كافتقار سائرهم، ومن البين أيضاً أنه لا يأتي من أول شخص وجد علم هذه الصناعة استنباطاً لقصر عمره وطول الصناعة، ولا يجوز أن يجتمعوا في مبدأ الكثرة على استنباطها من أجل أن الصناعة متقنة محكمة، وكل أمر متقن لا يستنبط بالاختلاف بل بالاتفاق، والأشخاص التي هي أول في الكثرة لا يجوز أن تجتمع على أمر متقن، من أجل أن كل شخص لا يساوي كل شخص من جميع الجهات، وإذا لم تتساو من جهة آرائها لم يجز أن تجتمع على أمر محكم، قال ابن المطران هذا يؤدي أيضاً في باقي العلوم والصناعات إلى أنها إلهام، لأنها ذوات إتقان أيضاً وقوله أيضاً أن الأشخاص لا يجوز أن تجتمع على أمر متقن، ليس بشيء، بل اجتماعها لا يكون إلا على أمر متقن، وإنما الاختلاف يقع مع عدم الإتقان، قال أبو جابر فقد بان أن الأشخاص في مبدأ الكثرة لا يتأتى منها استنباط هذه الصناعة، وكذلك عند نهاية الكثرة لتباينهم وافتراقهم، ووقوع الخلف بينهم، ونقول أيضاً يجوز أن يشك شاك فيقول هل يتأتى عندك أن يعرف إنسان من الناس أو كثير منهم، منابت الحشائش والعقاقير، ومواضع المعادن وخواصها، وقوى أعضاء سائر الحيوان وخواصها ومضارها ومنافعها ويعرف سائر الأمراض والبلدان واختلاف امزجة أهلها مع تفريق ديارهم؟ ويعرف القوة التي ينتجها تركيب الأدوية، وما يضاد قوة قوةٍ من قوى الأدوية، وما يلائم مزاجاً مزاجاً وما يضاده، مع ما يتبع ذلك من سائر صناعة الطب فإن سهل ذلك وهونه كذب، وإن صعب أمره في علمه من جهة المعرفة قلنا استنباطه ممتنع، وإذا لم يكن للصناعة الطبية لابتدائها إلا الاستنباط أو الوحي أو الإلهام، وكان لا سبيل إلى استنباط هذه الصناعة بقي أن تكون موجودة بطريق الوحي والإلهام، قال ابن المطران هذا كلام مشوش كله مضطرب، وإن كان جالينوس قال في تفسير العهد أن هذه الصناعة وحيية إلهامية، وقال فلاطن في كتاب السياسة أن اسقليبيوس كان رجلاً مؤيداً ملهما

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account