لكن تبعيد حصول هذه الصناعة باستنباط العقول خطأ، وتضعيف العقول التي استنبطت أجل من صناعة الطب، ولننزل أن أول العالم كان واحداً محتاجاً إلى صناعة الطب كحاجة هذا العالم الجم الغفير اليوم، وأنه ثقل عليه جسمه واحمرت عيناه وأصابه علامات الامتلاء الدموي، ولا يدري ما يفعل، فأصابه من قوته الرعاف فزال عنه ما كان يجده فعرف ذلك، فعاوده في وقت آخر ذلك بعينه، فبادر إلى أنفه فخدشه فجرى منه الدم فسكن عنه ما كان يجده، فصار ذلك عنده محفوظاً يعلمه كل من وجده من ولده ونسله، ولطفت حواشي الصناعة حتى فتح العرق بلطافة ذهن ورقة حس، ولو نزلنا لفتح العرق، أن آخر، ممن هذه صفته، انجرح أو انخدش فجرى منه الدم فكان له ما ذكرنا من النفع، ولطفت الأذهان في استخراج الفصد، جاز فصار هذا باباً من الطب، وآخر امتلأ من الطعام امتلاء مفرطاً فأصابه من طبيعته أحد الاستفراغين، إما القيء وإما الاسهال بعد غثيان وكرب، وقلق وتهوع ومغص وقراقر وريح جوالة في البطن، فعند ذلك الاستفراغ سكن جميع ما كان يجده، وقد كان آخر من الناس عبث ببعض اليتوعات فمغصه، فأسهله وقيأه اسهالاً وقيئاً كثيراً، وصارت عنده معرفة أن هذه الحشيشة تفعل هذا الفعل، وأن هذا الحادث مخفف لتلك الأعراض مزيل لها، فذكره لذلك الشخص، وحثه على استعمال القليل منه لمّا تعوق عليه القيء والإسهال، وصعبت عليه الأعراض فأداه إلى غرضه منهما، وخفف عنه ما لقي من شر تلك الأعراض، ولطفت الصناعة ورقت حواشيها، ونظرت في باقي الحشائش الشبيهة بتلك، ما منها يفعل ذلك، وما منها لا يفعله، وما منها يفعله بعنف، وما منها يفعله بضعف، وجاء صفاء العقول فنظر في الدواء الذي يفعل ذلك أيُّ الطعوم طعمه، وأيُّ الكيفيات يسبق إلى اللسان منه، وأيها يتبعها، فجعل ذلك؛ سباره ويستخرج منه، وأعانته التجربة وأخرجت ما وقع له من القول إلى الفعل، وكذبت ما غلط فيه، وصححت ما حدس عليه حدساً صحيحاً، حتى اكتفى من ذلك، وإذا نزلت أن مسهولاً لا يعلم أي الأدوية وأي الأغذية ينفعه أو يضره، استعمل بالاتفاق سماقاً في غذائه فانتفع به ودام عليه فأبرأه، فأحب أن يعلم بماذا أبرأه، فتطعمه فوجده حامضاً قابضاً، فعلم أنه لا يخلو من أن يكون حمضه نفعه أو قبضه، فذاق غيره مما فيه حموضة محضة فقط، واستعمله في غيره ممن به مثل ما كان به، فوجده لا يفيده ما أفاده هو، فعمد إلى شيء آخر طعمه قابض فقط، فاستعمله في ذلك الشخص بعينه، فوجد فائدته فيه أكثر من فائدة الحامض المطلق، فعلم أن ذلك الطعم مفيد في تلك الحالة وسماه قابضاً، وسمى ذلك استفراغاً، وقال إن القابض ينفع من الاستفراغ، ولطفت الصناعة ورقت حواشيها في ذلك، حتى استخرجت العجائب، واستنبطت البدائع، وأتى الثاني فوجد الأول وقد استخرج شيئاً جرّبه فوجده حقاً، فاحتفظ به وقاس عليه، وتمم حتى استكملت الصناعة، ولو نزلنا مجيء مخالف وجدنا كثيرين موافقين، وإذا غلط متقدم سدد متأخر، وإذا قصَّر قديم تمَّم محدث، هكذا في جميع الصناعات، كذا الغالب على ظني، قال قال حبيش الأعسم أن رجلاً اشترى كبداً طرية من جزار ومضى إلى بيته، فاحتاج أن ينصرف في حاجة أخرى، فوضع تلك الكبد التي كانت معه على أوراق نبات مبسوطة كانت على وجه الأرض، ثم قضى حاجته وعاد ليأخذ الكبد فوجدها قد ذابت وسالت دماً فأخذ تلك الأوراق وعرف ذلك النبات وصار يبيعه دواء للتلف حتى فطن به وأمر بقتله، أقول هذه الحكاية كانت في وقت جالينوس، وقال إنه كان السبب في مسك ذلك الرجل وفي توديته إلى الحاكم حتى أمر بقتله، قال جالينوس وأمرت أيضاً في وقت مروره إلى القتل أن تشد عيناه حتى لا ينظر إلى ذلك النبات، أو أن يشير إلى أحد سواه فيتعلمه منه، ذكر ذلك في كتابه في الأدوية المسهلة
Lives of the Physicians
كيفية وجود صناعة الطب وأول حدوثهاOriginal text Public domain
Hover any word on this page for its meaning
With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.