حدثني نجم الدين حمزة بن عابد الصرخدي أن نجم الدين القمراوي وشرف الدين المتاني - وقمراومتان هما قريتان من قرى صرخد قال كانا قد اشتغلا بالعلوم الشرعية والحكمية وتميزا واشتهر فضلهما، وكانا قد سافرا إلى البلاد في طلب العلم، ولما جاءا إلى الموصل قصدا الشيخ كمال الدين بن يونس وهو في المدرسة يلقي الدرس، فسلما وقعدا مع الفقهاء، ولما جرت مسائل فقهية تكلما في ذلك وبحثا في الأصول، وبان فضلهما على أكثر الجماعة، فأكرمهما الشيخ وأدناهما، ولما كان آخر النهار سألاه أن يريهما كتاباً له كان قد ألفه في الحكمة وفيه لغز، فامتنع وقال هذا كتاب لم أجد أحداً يقدر على حله وأنا ضنين به، فقالا له نحن قوم غرباء، وقد قصدناك ليحصل لنا الفوز بنظرك والوقوف على هذا الكتاب، ونحن بائتون عندك في المدرسة، وما نريد نطالعه سوى هذه الليلة، وبالغداة يأخذه مولانا وتلطفا له حتى أنعم لهما وأخرج الكتاب، فقعدا في بيت من بيوت المدرسة ولم يناما أصلاً في تلك الليلة، بل كل واحد منهما يملي على الآخر وهو يكتب حتى فرغا من كتابته وقابلاه، ثم كررا النظر فيه مرات، ولم يتبين لهما حله إلى آخر وقت، وقد طلع النهار، فظهر لهما حل شيء منه، من آخره، واتضح أولاً فأولا حتى انحل لهما اللغز وعرفاه، فحملا الكتاب إلى الشيخ وهو في الدرس، فجلسا وقالا يا مولانا ما طلبنا إلا كتابك الكبير الذي فيه اللغز الذي يعسر حله، وأما هذا الكتاب فنحن نعرف معانيه من زمان، واللغز الذي فيه علمه عندنا قديم؛ وإن شئت أوردناه، فقال قولا حتى أسمع، فتقدم النجم القمراوي؛ وتبعه الآخر، وأوردا جميع معانيه من أول الكتاب إلى آخره، وذكرا حل اللغز بعبارة حسنة فصيحة، فعجب منهما وقال من أين تكونان؟ قالا من الشام، قال من أي موضع منه؟ قالا من حوران، فقال لا أشك أن أحدكما النجم القمراوي، والآخر الشرف المتاني، قالا نعم، فقام لهما الشيخ وأضافهما عنده وأكرمهما غاية الإكرام واشتغلا عليه مدة ثم سافرا.
أقول وكان عمي رشيد الدين بن خليفة، وهو في أول شبيبته، قصد السفر إلى الموصل ليجتمع بالشيخ كمال الدين بن يونس ويشتغل عليه، لما بلغه من علمه وفضله الذي لم يلحقه فيه أحد وتجهز للسفر، فلما علمت بذلك والدته، جدتي، بكت وتضرعت إليه أن لا يفارقها، وكان يأخذ بقلبها فلم يمكنه مخالفتها، وأبطل الرواح إليه،ولكمال الدين بن يونس أولاد بمدينة الموصل قد أتقنوا الفقه وسائر العلوم، وهم من سادات المدرسين وأفاضل المصنفين، ومن شعر كمال الدين بن يونس قال
ما كنت ممن يطيع عذالي ... ولا جرى هجره على بالي
حُلْتُ كما حلتَ غادراً، وكما ... أرخصتَ أرخصتُ قدرك الغالي
وقال
حتى ومتى لي وعدكم لي زور ... مطل واف ونائل منزور
في قلبي حب حبكم مبذور ... زوروا فعسى يثمر وصلاً زوروا
ولكمال الدين بن يونس من الكتب كتاب كشف المشكلات وإيضاح المعضلات في تفسير القرآن شرح كتاب التنبيه في الفقه مجلدان، وكتاب مفردات ألفاظ القانون، كتاب في الأصول، كتاب عيون المنطق، كتاب لغز في الحكمة، كتاب الأسرار السلطانية في النجوم.
الباب الحادي عَشَر
طبقات الأطباء الذين ظهروا في بلاد العجم
تيادورس
كان نصرانياً وله معرفة جيدة بصناعة الطب، ومحاولة لأعمالها، وبنى له سابور ذو الأكتاف البيع في بلده، ويقال أن الذي بنى له البيع بهرام جور، ولتيادورس من الكتب كناش،
برزويه
قيل إنه كان عالماً بصناعة الطب موسوماً بها، متميزاً في زمانه، فاضلاً في علوم الفرس والهند وأنه هو الذي جلب كتاب كليلة ودمنة من الهند إلى أنوشروان بن قباذ ابن فيروز ملك الفرس، وترجمه له من اللغة الهندية إلى الفارسية، ثم ترجمه في الإسلام عبد اللّه بن المقفع الخطيب من اللغة الفارسية إلى اللغة العربية.