أقول ووجدت صاعد بن بشر قد ذكر في مقالته في مرض المراقيا ما عاينه في ذلك الزمان من أهوال وجدها، ومخاوف شاهدها، ما هذا نصه، قال وأنه عرض لنا من تضايق الزمان علينا، والتشاغل بالتماس الأمر الضروري، ولما قد شملنا من الخوف والحذر والفزع، واختلاف السلاطين؛ وما قد بلينا به، مع ذلك، من التنقل في المواضع؛ وضياع كتبنا وسرقتها، ولما قد أظلنا من الأمور المذعرة المخوفة التي لا نرجو في كشفها إلا الله تقدس اسمه.
هذا ما ذكره وما كان في أيامه إلا اختلاف ملوك الإسلام بعضهم مع بعض، وكان الناس سالمين في أنفسهم، آمنين من القتل والسبي، فكيف لو شاهد ما شاهدناه ونظر ما نظرناه في زماننا من التتار الذين أهلكوا العباد، وأخربوا البلاد، وكونهم إذا أتوا إلى مدينة فما لهم همٌّ إلا قتل جميع من فيها من الرجال، وسبي الأولاد والنساء، ونهب الأموال، وتخريب القلاع والمدن، لكان استصغر ما ذكره، واستقل ما عاينه وحقره، ولكن ما طامة إلا فوقها طامة أعظم منها؛ ولا حادثة إلا وغيرها تكبر عنها؛ وللّه الحمد على السلامة والعافية.
ولصاعد بن بشر من الكتب مقالة في مرض المراقيا ومداواته ألفها لبعض إخوانه.
ديلم
كان من الأطباء المذكورين ببغداد المتقدمين في صناعة الطب، وكان يتردد إلى الحسن بن مخل وزير المعتمد ويخدمه،ووجدت في بعض التواريخ أن المعتمد على اللّه وهو أحمد بن المتوكل أراد أن يفتصد، فقال للحسن بن مخلد اكتب لي جميع من في خدمتنا من الأطباء حتى أتقدم بأن تصل كل واحد منهم على قدره، فكتب الأسماء وأدخل فيها اسم ديلم المتطبب، وكان ديلم يخدم الحسن بن مخلد، فوقع تحت الأسماء بالصلات، فقال ديلم إني لجالس في منزلي حتى وافى رسول بيت المال ومعه كيس فيه ألف دينار، فسلمه إليّ وانصرف فلم أدر ما السبب فيه، فبادرت بالركوب إلى الحسن بن مخلد، وهو حينئذ الوزير، فعرفته ذلك، فقال لي افتصد أمير المؤمنين، وأمرني بأن أكتب أسماء الأطباء ليتقدم بصلاتهم، فأدخلت اسمك معهم، فخرج لك ألف دينار.
داؤد بن ديلم
كان من الأطباء المتميزين ببغداد المجيدين في المعالجة، وخدم المعتضد باللّه وخص به، فكانت التوقيعات تخرج بخط ابن ديلم لمحله منه ومكانته، وكان يتردد إلى دور المعتضد وله منه الإحسان الكثير، والإنعام الوافر، وكانت وفاة داؤد بن ديلم يوم السبت لخمس خلون من المحرم سنة تسع وعشرين وثلثمائة ببغداد.
أبو عثمان سعيد بن يعقوب الدمشقي
كان من الأطباء المذكورين ببغداد، ونقل كتباً كثيرة إلى العربية من كتب الطب وغيره، وكان منقطعاً إلى علي بن عيسى، وقال ثابت ابن سنان المتطبب أن أبا الحسن علي بن عيسى الوزير في سنة اثنتين وثلثمائة اتخذ البيمارستان بالحربية، وأنفق عليه من ماله، وقلده أبا عثمان سعيد بن يعقوب الدمشقي متطببه مع سائر البيمارستانات ببغداد ومكة والمدينة، ومن كلام أبي عثمان سعيد بن يعقوب الدمشقي قال الصبر قوة من قوى العقل، وبحسب قوة العقل تكون قوة الصبر.
ولأبي عثمان الدمشقي من الكتب مسائل جمعها من كتاب جالينوس في الأخلاق، مقالة في النبض مشجرة، وهي جوامعه لكتاب النبض الصغير لجالينوس.
الرقّي
هو أبو بكر محمد بن الخليل الرقي، كان فاضلاً في الصناعة الطبية، عارفاً بأصولها وفروعها، جيد التعليم، حسن المعالجة، وهو أول من وجدناه فسر مسائل حنين ابن إسحاق في الطب، وكان تفسيره لهذا الكتاب في سنة ثلاثين وثلثمائة.
قال عبيد اللّه بن جبرائيل وقيل عنه أنه ما كان يفسر إلا سكران، وكان في هذا نادراً قال وقد شاهدت إنساناً كان يتعاطى الشعر، وكان إذا أراد عمله احتال في تحصيل نبيذ فيشربه ويجلس فيعمل حينئذ الشعر، وسبب ذلك أن الدماغ يكون مائلاً إلى البرد، فإذا أسخنه ببخار النبيذ تحرك وقوي على الفعل.
وللرقّي من الكتب شرح مسائل حنين في الطب،
قويري
واسمه إبراهيم، ويكنى أبا إسحاق، فاضل في العلوم الحكمية، وهو ممن أخذ عنه علم المنطق، وكان مفسراً، وعليه قرأ أبو بشر متى بن يونان، وكُتُب قويري مطّرحة مجفوة، لأن عباراته كانت عفطية غلقة.
ولقويري من الكتب كتاب تفسير قاطيغورياس مشجر، كتاب باريمينياس مشجر، كتاب أنالوطيقا الأولى مشجر، كتاب أنالوطيقا الثانية مشجر.
ابن كرنيب