فقال يا سيدي افعل ما رأيت، فقال الخادم الذي معي احتاج أن أستأذن مولانا في ذلك، ودخل ليستأذن، وخرج ومعه مخزنة كبيرة مملوءة كافوراً، وقال قد أذن لك مولانا أن تعمل ما ترى، وأمر بأن ترفق به، وتوفر العناية عليه، وتلزمه إلى أن يهب اللّه عافيته، فحللت الخيط وفرغت المخزنة في موضع القطع وطليت ساعده، فعاش واستراح وسكن الضربان، وسألته هل اغتذى؟ فقال وكيف ينساغ لي طعام؟ فتقدمت بإحضار طعام، فأحضر وامتنع من الأكل، فرفقت به ولقمته بيدي؛ فحصل له نحو عشرين درهماً خبزاً، ومن لحم فروج نحو ذلك، وحلف أنه لا يقدر أن يبلع شيئاً آخر، وشرب ماء بارداً، وعاشت روحه، وانصرفت ، وقفل الباب عليه، و بقي وحده.
ثم أدخل عليه من غد خادم أسود يخدمه وحبس معه، وترددت إليه أياماً كثيرة؛ وعرض له في رجله اليسرى علة النقرس ففصدته، وكان يتألم من يده اليمنى التي قطعت، ومن رجله اليسرى، ولا ينام الليل من شدة الألم، ثم عوفي، وكنت إذا دخلت إليه يبتدئ بالمسألة عن خبر ابنه أبي الحسين، فإذا عرفته سلامته سكن غاية السكون، ثم ناح على نفسه وبكى على يده، وقال يد خدمت بها الخلافة ثلاث دفعات لثلاث خلفاء، وكتبت بها القرآن دفعتين، تقطع كما تقطع أيدي اللصوص؟ وتذكر، وأنت تقول لي أنت في آخر نكبة، وأن الفرج قريب؟ قلت بلى، فقال قد ترى ما حل بي؟ فقلت ما بقي بعد هذا شيء؛ والآن ينبغي أن نتوقع الفرج فإنه قد عمل بك ما لا يعمل بنظير لك، وهذا انتهاء المكروه ولا يكون بعد الانتهاء إلا الانحطاط، فقال لا تفعل، فإن المحنة تشبثت بي تشبثاً ينقلني من حال إلى حال، إلى أن تؤديني إلى التلف؛ كما تتشبث حمى الدق بالأعضاء فلا تفارق صاحبها حتى تؤديه إلى الموت، ثم تمثل بهذا البيت
إذا ما مات بعضك فابك بعضاً ... فبعض الشيء من بعض قريب
فكان الأمر كما قال.
ولما قرب بحكم من بغداد نُقل ابن مقلة من ذلك الموضع إلى موضع أغمض منه، فلم يُوقف له على خبر، وحُجبت عنه، ثم قطع لسانه وبقي في الحبس مدة طويلة ثم لحقه ذرب،ولم يكن له من يعالجة ولا من يخدمه، حتى بلغني أنه كان يستسقي الماء لنفسه بيده، يجتذب الحبل بيده اليسرى، ويمسكه بفمه، ولحقه شقاء عظيم، إلى أن مات.
وكان ثابت بن سنان المذكور خال هلال بن المحسن بن إبراهيم الصابئ الكاتب البليغ، ولثابت بن سنان بن ثابت بن قرة من الكتب كتاب التاريخ ذكر فيه الوقائع والحوادث التي جرت في زمانه، وذلك في سنة خمس وتسعين ومائتين إلى حين وفاته، ووجدته بخطه وقد أبان فيه عن فضل.
وكانت وفاة ثابت بن سنان في شهور سنة ثلاث وستين وثلثمائة.
أبو إسحاق إبراهيم بن سنان بن ثابت بن قرة
كان كاملاً في العلوم الحكمية فاضلاً في الصناعة الطبية، متقدماً في زمانه، حسن الكتابة،وافر الذكاء، مولده في سنة ست وتسعين ومائتين، وكانت وفاته في يوم الأحد النصف من المحرم سنة خمس وثلاثين وثلثمائة ببغداد، وكانت العلة التي مات فيها ورم في كبده.
أبو إسحاق إبراهيم بن زهرون الحراني
كان طبيباً مشهوراً، وافر العلم في صناعة الطب، جيد الأعمال، حسن المعاملة ، وكانت وفاته في ليلة الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من صفر سنة تسع وثلثمائة ببغداد.
أبو الحسن الحراني
هو أبو الحسن ثابت بن إبراهيم بن زهرون الحراني، كان طبيباً فاضلاً كثير الدراية، وافر العلم، بارعاً في الصناعة، موفقاً في المعالجة، مطلعاً على أسرار الطب، وكان مع ذلك ضنيناً بما يحسن.