كان طبيباً فاضلاً، يلحق بأبيه في صناعة الطب، وقال في التاريخ الذي عمله - وهذا التاريخ ذكر فيه الوقائع والحوادث التي جرت في زمانه، وذلك من أيام المقتدر باللّه إلى أيام المطيع للّه - إنه كان وولده في خدمة الراضي باللّه، وقال بعد ذلك أيضاً عن نفسه إنه خدم بصناعة الطب المتقي بن المقتدر باللّه، وخدم أيضاً المستكفي باللّه والمطيع للّه، قال وفي سنة ثلاث عشرة وثلثمائة قلدني الوزير الخاقاني البيمارستان الذي اتخذه ابن الفرات بدرب المفضل، وقال أيضاً في تاريخه إنه لما سُلِّم أبو علي بن مقلة إلى الوزير عبد الرحمن بن عيسى من جهة الراضي باللّه في سنة أربع وعشرين وثلثمائة، حمله إلى داره في يوم الخميس لثلاث ليالٍ خلون من جمادى الآخرة؛ وضُرب أبو علي بن مقلة بالمقارع في دار الوزير عبد الرحمن، وأخذ خطه بألف ألف دينار، وكان الذي تولى ذلك منه بنان الكبير من الحجرية، ثم سلم إلى أبي العباس الحصيني، ووكل به ما كردوبنان الكبير، ورد الحصيني مناظرته إلى أبي القاسم عبيد اللّه بن عبد اللّه الإسكافي المعروف بأبي نعرة، ومطالبته إلى الدستواني، فجرت عليه منه من المكاره والتعليق والضرب والدهق أمر عظيم، والذي شاهدت أنا من أمره أن أبا العباس الحصيني كلفني يوماً الدخول إليه، لمعرفة خبره من شيء تشكاه وقال إن كان يحتاج إلى الفصد فتقدم إلى من يفصده بحضرتك، فدخلت إليه فوجدته مطروحاً على حصير خَلِق على بارية ومخدة وسخة خليعة تحت رأسه، وهو عريان بسراويل، فوجدت بدنه من رأسه إلى أطراف أصابع رجليه كلون الباذنجان سواء، ليس منه عقد سليم، ووجدت به ضيق نفس شديد، لأن الدستواني كان قد دهق صدره، فعرفت الحصيني أنه شديد الحاجة إلى الفصد، فقال لي يحتاج إلى أن يلحقه كد في المطالبة، فكيف نعمل به؟ قلت لا أدري؟ إلا أنه إن ترك ولم يفصد مات، وإن فصد ولحقه مكروه بعده تلف فقال لأبي القاسم بن أبي نعرة الإسكافي ادخل إليه وقل له إن كنت تظن أنه يلحقك ترفيه إذا افتصدت فبئس ما تظن، فافتصد وضع في نفسك أن المطالبة لا بد منها ثم قال لي أحب أن تدخل إليه معه، فاستعفيته من ذلك فلم يعفني، فدخلت معه وأدى الرسالة بحضرتي، فقال إذا كان الأمر على هذا، فلست أريد أن أفتصد، وأنا بين يدي اللّه، فعدنا إليه وعرفناه ما قال، فقال لي أي شيء عندك وما الذي ترى؟ قلت الذي أرى أن يفصد وأن يرفه، فقال افعل، فعدت إليه وفصد بحضرتي، ورفه يومه، وخف ما به، ويتوقع المكروه من غد وهو برعب طائر العقل، فاتفق سبب للحصيني أحوجه إلى الاستتار في ذلك اليوم، وبقي ابن مقلة مرفهاً ليس أحد يطالبه، وكفي أمر عدوه من حيث لم يحتسب، ورجعت نفسه إليه، وحضر ابن فراية فضمن ما عليه وتسلمه، وقد كان أدى قبل ذلك إلى الحصيني نيفاً وخمسين ألف دينار، وأشهر عليه العدول بأنه قد باع جميع ضياعه وضياع أولاده وأسبابه من السلطان، وقال في موضع آخر من كتابه هذا إنه لما قطعت يد ابن مقلة استدعاني الراضي باللّه في آخر النهار وأمرني بالدخول إليه وعلاجه، فصرت إليه يوم قطع يده فوجدته محبوساً في القلاية التي في صحن الشجرة، والباب مقفل عليه، ففتح الخادم الباب عنه، ودخلت إليه، فوجدته جالساً على قاعدة من بعض أساطين القلاية، ولونه كلون الرصاص الذي هو جالس عليه، وقد ضعف جداً وهو في نهاية القلق من ضربان ساعده ورأيت له في القلاية قبة خيش نصبت له، وعليها طاقان من الخيش وفيهما مصلى ومخاد طبري، وحول المصلى أطباق كثيرة بفاكهة حسنة، فلما رآني بكى وشكى حاله، وما نزل به وما هو فيه من الضربان، ووجدت ساعده قد ورم ورماً شديداً، وعلى موضع القطع خرقة غليظة قردواني كحلية مشدودة بخيط قنبي، فخاطبته بما يجب، وسكنت منه، وحللت الخيط، ونحيت الخرقة، فوجدت تحتها على موضع القطع سرجين الدواب، فأمر بأن ينفض عنه، فنفض، وإذا رأس الساعد أسفل القطع مشدود بخيط قنب وقد غاص في ذراعه لشدة الورم، وقد ابتدأ ساعده يسود، وعرفته أن سبيل الخيط أن يحل وأن يجعل موضع السرجين كافور، ويطلى ذراعه بالصندل وماء الورد والكافور.
Lives of the Physicians
أبو الحسن ثابت بن سنان بن ثابت بن قرةOriginal text Public domain
Hover any word on this page for its meaning
With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.