وقال أيضاً ثابت بن سنان لما مات الراضي باللّه استدعى الأمير أبو الحسين بَحكْمَ والدي سنان بن ثابت وسأله أن ينحدر إليه إلى واسط، ولم يكن يطمع في ذلك منه في أيام الراضي باللّه لملازمته بخدمته، فانحدر إليه والدي، فأكرمه ووصله، وقال له أريد أن أعتمد عليك في تدبير بدني وتفقده، والنظر في مصالحه، وفي أمر آخر هو أهم إلي من أمر بدني، وهو أمر أخلاقي، لثقتي بعقلك وفضلك ودينك ومحبتك، فقد غمني غلبة الغضب والغيظ علي. وإفراطهما بي حتى أخرج إلى ما أندم عليه عند سكونهما من ضرب وقتل، وأنا أسألك أن تتفقد ما أعلمه، وإذا وقفت لي على عيب لم تحتشم أن تصدقني عنه، وتذكره لي، وتنبهني عليه؛ ثم ترشدني إلى علاجه ليزول عني، فقال له والدي السمع والطاعة لما أمر به الأمير، أنا أفعل ذلك، ولكن يستمع الأمير مني بالعاجل جملة علاج ما أنكره من نفسه، إلى أن يجيئه التفصيل في أوقاته، اعلم أيها الأمير أنك قد أصبحت وليس فوق يدك يد لأحد من المخلوقين، وأنك مالك لكل ما تريده، قادر على أن تفعله أي وقت أردته، لا يتهيأ لأحد من المخلوقين منعك منه، ولا لأن بينك وبين ما تهواه أي وقت أردته، وأنك متى أردت شيئاً بلغته أي وقت شئت، لا يفوتك أمر تريده.
واعلم أن الغضب والغيظ والحرد تحدث في الإنسان سكراً أشد من سكر النبيذ بكثير، فكما أن الإنسان يعمل في وقت السكر من النبيذ ما لا يعقل به، ولا يذكره إذا صحا، ويندم عليه إذا حدث به ويستحيي منه؛ كذلك يحدث له وقت السكر من الحرد والغيظ، بل أشد، فلما يبتدئ بك الغضب وتحس بأنه قد ابتدأ يسكرك، قبل أن يشتد ويقوى ويتفاقم ويخرج الأمر عن يدك، فضع في نفسك أن تؤخر العقوبة عليه إلى غد، واثقاً بأن ما تريد أن تعمله في الوقت لا يفوتك عمله في غد، وقد قيل من يخف فوتاً حلم، فإنك إذا فعلت ذلك وبت ليلتك وسكنت فورة غضك، فإنه لا بد لفورة الغضب من أن تبوخ وتسكن، وأن تصحو من السكر الذي أحدثه لك الغضب، وقد قيل إن أصح ما يكون الإنسان رأيا إذا استدبر ليله واستقبل نهاره، فإذا صحوت من سكرك فتأمل الأمر الذي أغضبك، وقدم أمر اللّه عزّ وجلّ أولاً والخوف منه، وترك التعرض لسخطه، ولا تشف غيظك بما يؤثمك، فقد قيل ما شفى غيظه من أثم بربه، واذكر قدرة اللّه عليك، وأنك محتاج إلى رحمته، وإلى أخذه بيدك في أوقات شدائدك، وهو وقت لا تملك لنفسك فيه شراً ولا نفعاً ولا يقدر لك عليه أحد من المخلوقين، ولا يكشف ما قد أظلك غيره عزّ وجلّ، واعلم أن البشر يغلطون ويخطئون، وأنك مثلهم تغلط وتخطئ، وإن كان لا يجسر أحد على أن لا يوافقك على ذلك، فكما تحب أن يغفر اللّه لك، كذلك غيرك يؤمل عطفك وعفوك، وفكر بأي ليلة بات المذنب قلقاً لخوفه منك، وما يتوقعه من عقوبتك ويخافه من سطوتك، واعرف مقدار ما يصل إليه السرور وزوال الرعب عنه بعفوك، ومقدار الثواب الذي يحصل لك من ذلك، واذكر قول اللّه تعالى: (وليعفوا وليصفحوا)، ألا تحبون أن يغفر اللّه لكم واللّه غفور رحيم، فإن كان ما أغضبك مما يجوز فيه العفو، ويكفي فيه العتاب والتوبيخ، والعذل والتهديد متى وقعت معاودة، فلا تتجاوز ذلك، واعف واصفح، فإنه أحسن بك، وأقرب إلى اللّه تعالى واللّه سبحانه يقول " وأن تعفوا فهو أقرب للتقوى " وليس يظن بك المذنب ولا غيره أنك عجزت عن التقويم والعقوبة، ولا قصرت بك القدرة، وإن كان مما لا يحتمل العفو عاقبت حينئذ على قدر الذنب ولم تتجاوزه إلى ما يوقع الدين؛ ويفسد به أمرك، ويقبح عند الناس ذكرك، فإنما يشتد عليك تكلف ذلك أول دفعة وثانية وثالثة، ثم يصير عادة لك وخلفاً وسجية، ويسهل عليك.