وورد توقيع آخر إليه فيه فكرت في من السواد من أهله، فإنه لا يخلو أن يكون فيه مرضى لا يشرف عليه متطبب لخلو السواد من الأطباء، فتقدم، مد الله في عمرك، بإنفاذ متطببين وخزانة للأدوية والأشربة يطوفون في السواد ويقيمون في كل صقع منه مدة ما تدعو الحاجة إليه، ويعالجون من فيه من المرضى ثم ينتقلون إلى غيره، ففعل والدي ذلك إلى أن انتهى أصحابه إلى سورا، والغالب على أهلها اليهود، فكتب إلى أبي الحسن علي بن عيسى يعرفه ورود كتابة من أصحابه من السواد يذكرون فيه كثرة المرضى وأن أكثر مَن حول نهر الملك يهود؛ وأنهم استأذنوا في المقام عليهم وعلاجهم، وأنه لم يعلم ما يجيبهم به لأنه لا يعرف رأيه فيهم، وأعلمه أن رسم البيمارستان أن يعالج فيه الملي والذمي، ويسأله أن يرسم له في ذلك ما يعمل عليه، فوقع له توقيعاً نسخته فهمت ما كتبت به، أكرمك اللّه، وليس بيننا خلاف في أن معالجة أهل الذمة والبهائم صواب، ولكن الذي يجب تقديمه والعمل به معالجة الناس قبل البهائم، والمسلمين قبل أهل الذمة.
فإذا أفضل عن المسلمين ما لا يحتاجون إليه، صرف في الطبقة التي بعدهم فاعمل، أكرمك اللّه، على ذلك واكتب إلى أصحابك به، ووصهم بالتنقل في القرى والمواضع التي فيها الأوباء الكثيرة والأمراض الفاشية، وإن لم يجدوا بذرقة توقفوا عن المسير حتى تصلح لهم الطريق، ويصح السبيل، فإنه إذا فعلوا ذا غنوا عن السور إن شاء اللّه تعالى " قال ثابت بن سنان وكانت النفقة عن البيمارستان، الذي لبدر المعتضدي، بالمحرم من ارتفاع وقف سجاح أم المتوكل على اللّه، وكان الوقف في يد أبي الصقر وهب ابن محمد الكلوذاني، وكان قسط من ارتفاع هذا الوقف يصرف إلى بني هاشم، وقسط منه إلى نفقة البيمارستان، وكان أبو الصقر يرّوج على بني هاشم مالهم، يؤخر ما يصرف إلى نفقة البيمارستان ويضيقه، فكتب والدي إلى أبي الحسن علي بن عيسى يشكو إليه هذه الحال ويعرفه ما يلحق المرضى من الضرر بذلك، وقصور ما يقام لهم من الفحم، والمؤن والدثار وغير ذلك عن مقدار حاجتهم، فوقع على ظهر رقعته إلى أبي الصقر توقيعاً نسخته أنت، أكرمك اللّه، تقف على ما ذكره وهو غلط جداً والكلام فيه معك خاصة فيما يقع منك يلزمك، وما أحسبك تسلم من الإثم فيه، وقد حكيت عني في الهاشميين قولاً لست أذكره، وكيف تصرفت الأحوال في زيادة المال أو نقصانه ووفوره أو قصوره، لا بد من تعديل الحال فيه، بين أن تأخذ منه وتجعل للبيمارستان قسطاً، بل هو أحق بالتقديم على غيره لضعف من يلجأ إليه، وعظيم النفع به، فعرفني، أكرمك اللّه، ما النكتة في قصور المال ونقصانه في تخلف نفقة البيمارستان هذه الشهور المتتابعة، وفي هذا الوقت خاصة مع الشتاء واشتداد البرد، فاحتل بكل حيلة لما يطلق لهم ويعجل حتى يدفأ من في البيمارستان من المرضى والممرورين بالدثار والكسوة والفحم، ويقام لهم القوت، ويتصل لهم العلاج والخدمة، وأجبني بما يكون منك في ذلك، وأنفذ لي عملاً يدلني على حجتك، واعن بأمر البيمارستان فضل عناية، إن شاء اللّه تعالى.
قال ثابت بن سنان إنه لما كان في أول يوم من المحرم سنة ست وثلثمائة، فتح والدي سنان بن ثابت بيمارستان السيدة الذي اتخذه لها بسوق يحيى، وجلس فيه، ورتب المتطببين، وقبل المرضى، وهو كان بناه على دجلة،وكانت النفقة عليه في كل شهر ستمائة دينار، قال وفي هذه السنة أيضاً أشار والدي على المقتدر باللّه بأن يتخذ بيمارستاناً ينسب إليه، فأمر باتخاذه، فاتخذه له في باب الشام وسماه البيمارستان المقتدري، وأنفق عليه من ماله في كل شهر مائتي دينار، قال ثابت بن سنان ولما كان في سنة تسع عشرة وثلثمائة اتصل بالمقتدر أن غلطاً جرى على رجل من العامة من بعض المتطببين فمات الرجل، فأمر إبراهيم بن محمد بن بطحا بمنع سائر المتطببين من التصرف إلا من امتحنه والدي سنان بن ثابت، وكتب له رقعة بخطه بما يطلق له من الصناعة، فصاروا إلى والدي وامتحنهم وأطلق لكل واحد منهم ما يصلح أن يتصرف فيه، وبلغ عددهم في جانبي بغداد ثمانمائة رجل ونيفاً وستين رجلاً، سوى من استغنى عن محنته باشتهاره بالتقدم في صناعته، وسوى من كان في خدمة السلطان