ثم أمر بإحضاري فأحضرت إليه وأحضر السوط والحبال، وأمر بي فشددت مجرداً بين يديه وضربت مائة سوط، وأمر باعتقالي والتضييق علي، ووجه فحمل جميع ما كان لي من رحل وأثاث وكتب وما شاكل ذلك، وأمر بنقض منازلي إلى الماء، وأقمت في داخل داره معتقلاً ستة أشهر في أسوأ ما يكون من الحال، حتى صرت رحمة لمن رآني، وكان أيضاً في كل يسير من الأيام يوجه يضربني ويجدد لي العذاب، فلم أزل على ما شرحته إلى أن اعتل أمير المؤمنين، وذلك في اليوم الخامس من الشهر الرابع من يوم حبسي، وكانت علته صعبة جداً فأقعد ولم تمكنه الحركة وأيس منه، وأيس هو أيضاً من نفسه، ومع ذلك، فإن أعدائي الأطباء عنده ليلاً ونهاراً ولا يزايلونه ساعة واحدة، وهم يعالجونه ويداوونه، ويسألونه في كل وقت في أمري ويقولون له لو أراحنا مولانا أمير المؤمنين من ذلك الزنديق الملحد لأراح منه الدنيا، وانكشف عن الدين منه محنة عظيمة، فلما طالت مسألتهم له في أمري وكثر ذكرهم لي بين يديه بكل سوء، قال لهم فما الذي يسركم أن أفعل به؟ قالوا تريح العالم منه، وكان مع ذلك، كل من سأل في أمري وتشفع في من أصدقائي يقول بختيشوع يا أمير المؤمنين هذا بعض تلاميذه وهو يعتقد اعتقاده فيقل المعين لي ويكثر المحرك علي، وأيست من الحياة، فقال لهم أمير المؤمنين، وقد لجوا عليه في السؤال فإني أقتله في غد يومنا هذا وأريحكم منه، فسر بذلك الجماعة وانصرفوا على ما يحبون، فجاءني بعض الخدم وقال لي إنه جرى في أمرك العيش كذا وكذا، فسألت اللّه عزّ وجلّ التفضل بما لم تزل أياديه إلي بأمثاله، مع ما أنا فيه من كثرة الاهتمام وشغل القلب مما أخاف نزوله بي في غد بغير جرم أستوجبه ولا جناية جنيتها، بل بحيلة من احتال علي وطاعتي من اغتالني، وقلت اللهم إنك عالم براءتي فأنت أولى بنصرتي، وطال بي الفكر إلى أن حملني النوم، فإذا بهاتف يحركني ويقول لي قم فاحمد اللّه وأثن عليه فقد خلصك من أيدي أعدائك، وجعل عافية أمير المؤمنين على يديك فطب نفساً فانتبهت مرعوباً، ثم قلت كلما كثر ذكره في اليقظة لم تنكر رؤيته عند النوم، فلم أزل أحمد اللّه وأثني عليه إلى أن جاء وجه الصبح، فجاءني الخادم ففتح علي الباب ولم يكن وقته الذي يجيئني فيه فقلت هذا وقت منكر، جاءني ما وعدت به البارحة.
Lives of the Physicians
حنين بن إسحاقOriginal text Public domain
Hover any word on this page for its meaning
With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.