فركبت إليه بعد أن صليت الغداة فوجدته نائماً، وكان لا ينام، فانتبه لي، فسألته عن خبره، فأعلمني أنه لم يزل في وجع من جوفه مانع له النوم والقرار منذ أكثر من أربعين ليلة حتى أخذ تلك الشربة، فلما انقطع فعل الشربة انقطع عنه ذلك الوجع، وأنه لم يشته طعاماً منذ ذلك الوقت وأنه ما يبصرني في وقته من غلبة الجوع عليه، وسأل الأذن في الأكل فأذن له يزيد في أكل أسفيدباجه قد طبخت من فروج كسكري سمين، ثم اتباعها زيرباجة، ففعل ذلك، وصرت إلى الرشيد فأخبرته بما كان من أمرثمامة، فأحضر المتطبب وقال له ويحك كيف أقدمت على إسقائه حب الاصطمخيقون؟ فقال يا أمير المؤمنين هذا رجل كان في جوفه كيموس فاسد، فلم يكن يدخل في جوفه دواء ولا غذاء إلا أفسده ذلك الكيموس، وكان كلما فسد من تلك الأدوية والأغذية صار مادة لذلك الفساد، فكانت العلة لهذا السبب تزداد، فعلمت أن لا علاج له إلا بدواء قوي يقوى على قلع ذلك الكيموس، وكان أقوى الأشياء التي يمكن أن يسقاها الاصطمخيقون، فقلت له فيه الذي قلت، ولم أقدم أيضاً على القول أنه يبرئه لا محالة، وإنما قلت بقي شيء واحد فإن هو لم ينفعه فلا علاج له، وإنما قلت ذلك لأني رأيت الرجل عليلاً قد أضعفته العلة، وأذهبت أكثر قواه،، فلم آمن عليه التلف إن شربه، وكنت أرجو له العافية بشربه إياه، وكنت أعلم أنه إن لم يشربه أيضاً تلف، فاستحسن الرشيد ما كان من قوله ووصله بعشرة آلاف درهم، ثم عاد الرشيد ثمامه وقال له لقد أقدمت من شرب ذلك الدواء على أمر عظيم، وخاصة إذ كان المتطبب لم يصرح لك بأن في شربه العافية، فقال ثمامة يا أمير المؤمنين، كنت قد يئست من نفسي وسمعت المتطبب يقول إن شرب هذا الدواء رجوت أن ينفعه، فاخترت المقام على الرجاء ولو لحظة، على اليأس من الحياة فشربته، وكانت في ذلك خيرة من اللَّه عظيمة، أقول وهذه الحكاية تناسب ما روي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه جاء إليه رجل من العرب فقال يا رسول اللَّه، إن أخي قد غلب عليه الخوف وداويناه ولم ينقطع عنه بشيء، فقال له عليه السلام أطعمه عسل النحل، فراح وأطعمه إياه فزاد الإسهال، فأتى إليه وقال يا رسول اللَّه، كثر الإسهال به من وقت أطعمته العسل، فقال أطعمه العسل، فأطعمه، فزاد الإسهال أكثر، فشكا ذلك إلى النبي، عليه السلام، فقال أطعمه أيضاً العسل، فأطعمه أيضاً في اليوم الثالث فتقاصر الإسهال وانقطع بالكلية، فأخبر النبي، عليه السلام، بذلك فقال صدق اللَّه وكذبت بطن أخيك.
Lives of the Physicians
يزيد بن زيدOriginal text Public domain
Hover any word on this page for its meaning
With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.