والأصل في قولهم: " جاء بخفي حنين " أن إسكافاً من أهل الحيرة ساومه أعرابيٌ بخفّين، فاختلفا حتى أغضبه، فازداد غيظ الأعرابيّ؛ فلما ارتحل أخذ حنينٌ أحد خفّيه فألقاه على طريقه ثم ألقى الآخر في موضع آخر؛ فلما مرّ الأعرابي بأحدهما قال: ما أشبه هذا بخفّ حنين! ولو كان معه الآخر لأخذته، ومضى؛ فلما انتهى إلى الأخر ندم على تركه الأوّل، وأناخ راحلت فأخذه ورجع إلى الأوّل، وقد كمن له فعمد إلى راحلته وما عليها فذهب به؛ وأقبل الأعرابيّ ليس معه غير الخفّين؛ فقال له قومه: ما الذي أتيت به؟ قال: بخّفي حنين.
قالوا: فإن جاء وقد قضيت حاجته قيل: " جاء ثانياً من عنانه " فإن جاء ولمّا تقض حاجته وقد أصيب ببعض ما معه، قالوا: " ذهب يبتغي قرناً فلم يرجع بأذنين " . يقول بشار:
فكنت كالعير غدا يبتغي ... قرناً فلم يرجع بأذنين
لأعرابي وقد سأل قوماً سأل أعرابيّ قوماً، فقيل له: بورك فيك! فقال: وكلكم اللّه إلى دعوةٍ لا تحضرها نيّة.
بين الوليد وأعرابي أرسل الوليد خيلاً في حلبةٍ، فأرسل أعرابيٌ فرساً له فسبقت الخيل؛ فقال له الوليد: احملني عليهما؛ فقال: إن لها حرمةً، ولكني أحملك على مهر لها سبق الخيل عام أوّل وهو ريضّ.
من أقوال العرب وتقول العرب فيمن يشغله شأنه عن الحاجة يسألها: " شغل الحلي أهله أن يعار " بنصب الحلي، ويعار: من العارية. فأمّا قولهم: " أحقّ الخيل بالركض المعار " فأنّ المعار: المنتوق الذّنب وهو المهلوب؛ يريدون أنه أخفّ من الذيّال الذنب، يقال: أعرت الفرس إذا نتفته.
وتقول العرب لمن سئل وهو لا يقدر فردّ: " بيتي يبخل لا أنا " ؛ يريدون أنه ليس عنده ما يعطي.
ووعد رجلٌ رجلاً فلم يقدر على الوفاء بما وعده؛ فقال له: كذبتني. قال: لا، ولكن كذبك مالي.
وتقول العرب فيمن اعتذر بالمنع بالعدم وعنده ما سئل: " أبى الحقين العذرة " . قال أبو زيد: وأصله أن رجلاً ضاف قوماً فاستسقاهم لبناً، وعندهم لبنٌ قد حقنوه في وطبٍ، فاعتذروا أنه لا لبن عندهم؛ فقال: " أبى الحقين العذرة " . ويقال: " العذرة طرف البخل " .
شعر للطائي يذكر المطل وقال الطائي يذكر المطل:
وكان المطل في بدءٍ وعودٍ ... دخاناً للصنيعة وهي نار
نسيب البخل مذ كانا وإن لم ... يكن نسبٌ فبينهما جوار
لذلك قيل بعض المنع أدنى ... إلى جودٍ وبعض الجود عار
لإسماعيل القراطيسي في الفضل بن الربيع قال إسماعيل القراطيسيّ في الفضل بن الربيع:
لئن أخطأت في مدح ... ك ما أخطأت في منعي
لقد أحللت حاجاتي ... بوادٍ غير ذي زرع
بين المنذر بن الزبير وحكيم بن حزام غزا المنذر بن الزبير " في " البحر ومعه ثلاثون رجلاً من بني أسد بن عبد العزّى؛ فقال له حكيم بن حزام: يا بن أخي، إني قد جعلت طائفةً من مالي للّه عزّ وجلّ، وإني قد صنعت أمراً ودعوتكم له، فأقسمت عليك لا يردّه عليّ أحدٌ منكم. فقال المنذر: لاها اللّه إذاً، بل نأخذ ما تعطي، فإن نحتج إليه نستعن به ولا نكره أن يأجرك اللّه، وإن نستعن عنه نعطه من يأجرنا اللّه فيه كما أجرك.
شعر لأعرابي وقد سأل رجلاً فأعطاه درهمين سأل أعرابيٌّ رجلاً يقال له: الغمر فأعطاه درهمين، فردّهما وقال:
جعلت لغمرٍ درهميه ولم يكن ... ليغني عني فاقتي درهما غمر
وقلت لغمر خذهما فاصطرفهما ... سريعين في نقض المروءة والأجر
أتمنع سؤّال العشيرة بعد ما ... تسمّيت غمراً واكتنيت أبا بحر
شعر لأبي العتاهية في الفضل بن الربيع وقد سأله حاجة فلم يقضها له اختلف أبو العتاهية إلى الفضل بن الربيع في حاجةٍ له زماناً فلم يقضها له، فكتب:
أكلّ طول الزمان أنت إذا ... جئتك في حاجةٍ تقول غدا!
لا جعل اللّه لي إليك ولا ... عندك ما عشت حاجةٍ أبدا!
وقال آخر:
إن كنت لم تنو فيما قلت لي صلةً ... فما انتفاعك من حبسي وترديدي
فالمنع أجمله ما كان أعجله ... والمطل من غير عسرٍ آفة الجود
وقال آخر:
بسطت لساني ثم أوثقت نصفه ... فنصف لساني في امتداحك مطلق