FluentPlex

Choice Narratives

كتاب رجل إلى بعض الزهاد

Original text Public domain

Read with the dictionary

إن التراجعَ في المواعظ يُوشِكُ أن يُذْهِبَ يومَها ويأتي يومُ الصاخة، كلُّ الخلقِ يومئذ مُصِيخ يستمعُ ما يُقالُ له ويُقضَى عليه، وخَشَعَت الأصْواتُ للرحمن فلا تسمَع إلا هَمساً. فاصمُت اليوم عما يُصْمِتكَ يومئذ، وتَعَلَمْ ذلك حتى تعلَمَه، وابتغِه حتى تَجده، وبادِرْ قبل أن تفجأكَ دعوةُ الموت، فإنها عَنيفة إلا بِمَنْ رحم الله، فيُقْحِمكَ في دار تسمعُ فيها الأصوات بالحسرة والويل والثبور، ثم لا يُقالُون ولا يُستعتَبونَ. إني رأيتُ قلوب العِباد في الدنيا تخشع لأيسر من هذا وتَقسُو عند هذا، فانظُر إلى نفسك أعبدُ الله أنت أم عَدوُه، فيا رُبً مُتعبّد بلسانه، مُعادٍ له بفعله ذلول في الإنسياق إلى عذاب السعير في أمنية أضغاثِ أحلام يَعبرها بالأمانِي والطنون. فاعرِف نفسَكَ وسَلْ عنها الكتابَ المنيرَ، سؤال من يُحِب أن يعلم، وَعلمَ من يُحبّ أن يعمَلَ، فإن الرب جلّ ثناؤه لا يعذِر بالتعذير والتغرير، ولكن يعذِرُ بالجِد والتشمير. إكْتس نصيحتي، فإنها كُسوَةُ تقوَى ودليلٌ على مفاتح الخير، ولا تكن كعلماء زمن الهَرْج إن وُعِظُوا أنِفُوا، وإن وَعَظُوا عَنُفُوا. واللهّ المستعان.

كتاب رجل إلى بعض الزّهاد

كتب إليه: إنّ لي نفساً تُحِبُّ الدَّعةَ، وقلباً يألف اللذاتِ، وهمةً تَسْتثقِلُ الطاعةَ، وقد وهَّمتُ نفسي الآفات، وحَذَّرتُ قلبي الموت، وزجرتُ هِمَتي عن التقصير؛ فلم أرضَ ما رجع إليَّ منهن، فاهدِ لي - رحمك الله - ما أستعينُ به على ما شكوتُ إليك؛ فقد خفتُ الموت قبلَ الاستعداد.

فكتب إليه: كثر تعجّبي من قلبَ يألَفُ الذنبَ، ونفسٍ تطمئنُ إلى البقاء، والساعاتُ تَنقُلُنا والأيامُ تَطوِي أعمارَناة فكيف يألفُ قلبٌ ما لا ثباتَ له، وكيف تنام عينٌ لا تحرِي لعلها لا تطرِفُ بعد رَقدَتها إلا بين يدي اللّه! والسلام.

وكتب رجل من العبّاد إلى صديق له

إني لمّا رأيتُ الناسَ في اليقين متفقين، وفي العمل متفاوتين، ورأيت الحجةَ واجبة، فلم أر في يقينٍ قَصَرَ بصاحبه عن عملٍ حجةٍ، ولا في عملٍ كان بغيرِ يقينٍ منفعةً؛ ورأيتُ من تقصيرِ أنفسنا في السعي لمرجوّ ما وُعِدَتْ والهرَبِ من مَخُوف ما حُذَرَتْ، حتى أسلمها ذلك إلى أن ضَعُفَتْ منها النيةُ وقلّ التحفّظُ واستولى عليها السَّقَط والإغفالُ واشتعَلَتْ منها الشهوةُ، ودعاها ذلك إلى التمرّغ في فضائح اللّذاتِ، وهي تعلم أن عاقبتَها الندمُ، وثمرتَها العقوبة، ومصيرَها إلى النار إن لم يعفً اللُّه - عجبتُ لعمل امرئٍ كيف لا يشبِهُ يقينَه، ولعلم موقنٍ كيف لا يرتبط رجاءه وخوفه على ربه، حتى لا يتكون الرغبة منه إلا إليه والرهبة منه إلا له. وزادني عجباً أنّني رأيت طالب الدنيا أجدَّ من طالب الآخرة، وخائفَها أتعبَ من خائف الآخرةِ، وهو يعلم يقيناً أنه رُب مطلوبٍ في الدنيا قد صار حين نيلَ حتفاً لطالبه، وأنه رُبَّ مَخُوفٍ فيها قد لَحِقَ كَرْهاً بالهارب منه فصار حظاً له، وأن المطلوبَ إليه من أهلها ضعيفٌ عن نفسه محتاجٌ إلى ربه مَملوكٌ عليه مالُه مخزونةٌ عنه قدرتُه. واعلم أن جِمَاعَ ما يسعى له الطالبُ وَيهرُبُ منه الهاربُ أمران: أحدهما أجلُه، والآخر رزقُه، وكلاهما بعينه شاهد على أنه لا يملِكُه إلا الذي خلقه. فلم أدْر حين صار هذا اليقينِ في موضع الإيمان يقيناً لا شك فيه، كيف صار في موضع العمل شبيهاَ بالشك الذي لا يقينَ فيه! وكيف، حين اختُلِفَ في أمر الآخرة، لم يُخْتَلْف في أمر الدنيا، فيكون خائفُ الآخرة لربه كخائف الدنيا لسلطانه صبراً له على تجشم المكروه، وتجرّعاً منه لغُصَص الغيظ، واحتمالاً منه لفادح النّصَب، وعملأ له بالسخرة، وتحفظاً من أن يُضمِرَ له على غش أو يَهًم له بخلاف، ولو فعل ذلك ما علمه منه حتى يَظهَرَ له بقولٍ أو فعل؛ ولو علمه ما

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account