عَدِمتُ الحياةَ ولا نلتها ... إذا كنت في القبر قد ألحدوكا
وكيف أذوق لذيذ الكرى ... وأنت بيمناك قد وسّدوكا
قال الأزديّ: بلغني أن داود الطائيّ مر بامرأة تبكي عند قبرٍ وهي تقول: يا أخاه! شعري:
بأيَ خديك تبدي البِلى ... وأيُ عينيك إذاً سالا
شعر لمالك بن دينار وقد أتى القبور حدّثني محمد بن مرزوق قال: حدّثنا محمد بن نصر المعلم قال: حدّثنا جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار أنه قال:
أتيت القبورَ فناديتُه ... ن أين المعظَّم والمحتقَرْ
وأين المدلُ بسلطانه ... وأين المزكَى إذا ما افتخَرْ
قال: فنوديتُ من بينها ولا أرى أحداً:
تفانَوْا جميعاً فما مُخبِرٌ ... وماتوا جميعاً وماتَ الخبَرْ
تروحُ وتغدو بناتُ الثرى ... وتُمْحَى محاسنُ تلك الصُّوَرْ
فيا سائلي عن أناس مَضَوْا ... أمَالك فيما ترى مُعتبَرْ
قال: فرجعت وأنا أبكي.
شعر على قبر بالشام بلغني أنه قرئ على قبرٍ بالشام:
باتوا على قُلَل الأجبال تحرُسُهم ... غُلْبُ الرجال فلم تنفعهم القُلَلُ
واستُنْزِلوا بعد عزٍّ من معاقلهم ... فأسكِنوا حُفْرهًّ يا بئس ما نزلوا
ناداهُمُ صارخٌ من بعد ما دُفنوا ... أين الأسرةُ والتيجانُ والحُلَلً
أين الوجوهُ التي كانت مُحخبةً ... من دونها تُضرَبُ الأستارُ والكِلَلُ
فأفصحَ القبرُ عنهم حين ساء لهم ... تلك الوجوهُ عليها الدودُ تقتتلُ
قد طال ما أكلوا دهراً وما نَعِموا ... فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكِلُوا
وقال آخر:
ربَّ قوم عَبَروا من عيشهم ... في نعيم وسرور وغَدَقْ
سكتَ الدهرُ زمانا عنهُمُ ... ثم أبكاهم دماً حين نَطَقْ
بين النعمان وعدي بن يزيد نزل النُعمان ومعه عِدي بن زيد في ظل شجرةٍ عظيمةٍ ليَلْهُوَا، فقال له عدي بن زيد: أتدري ما تقولُ هذه الشجرةُ. قال: لا؛ قال تقول:
رب شَرْب قد أناخوا عندنا ... يشربون الخمرَ بالماءِ الزلازل
ثم أضحًوْا لَعب الدهرُ بهم ... وكذاك الدهرُ حالاً بعد حال
لإبراهيم بن مهدي وقال إبراهيم بن المهدي:
بالله ربك كم بيتٍ مررتَ به ... قد كان يُعْمَر باللذات والطربِ
طارتْ عُقابُ المنايا في سقائفه ... فصار من بعدها للويل والحربِ
شعر للخليل بن أحمد الفراهيدي أنشدنا أبو عبد الرحمن صاحب الأخفش عن الأخفش للخليل بن أحمد العروضي:
كن كيف شئتَ فقَصرُك الموتُ ... لا مَزْحَلٌ عنه ولا فَوْت
بينا غِنَى بيِتِ وبهجتُه ... زال الغنَى وتقوَضَ البيتُ
شعر لمالك بن دينار وقد كان يخرج إلى القبور كل خميس حدّثني يزداد بن أسد عن الطَّنَافسيّ قال: حدّثنا أبو محمد قال: كان مالك بن دينار يخرج إلى القبور كل خميس على حِمار قوطرانيّ؛ ويقول:
ألا حَي القبورَ ومن بِهِنَّهْ ... وجوه في القبورِ أحِبُّهنَهْ
فلو أنّ القبور سمعنَ صوتي ... إذاً لأجبنني من وجدِهِنَهْ
ولكنّ القبورَ صمتنَ عني ... فابْتُ بحسرةٍ من عندِهِنَهْ
ثم يبكي ونبكي.
بين معاوية بن أي سفيان وعُبَيْد بن شرية الجُرْهميّ قال معاوية بن أبي سفيان لعُبَيد بن شرية الجُرْهُميّ: أخبِرْني بأعجبِ شيءٍ رأيتَه الجاهليَّة. فقال: إني نزلتُ بحي من قُضاعة فخرجوا بجنازةِ رجل من عُفرَة يقال له حُريث وخرجتُ معهم، حتى إذا وارَوْه في حفرته انتبذتُ جانباً عن القوم وعيناي تذْرِفان ثم تمثلت بأبياتِ شعرٍ كنتُ أرويها قبل ذلك بزمانٍ طويلٍ:
تجري أمور ولا تَدْرِي: أوائلُها ... خَيْرٌ لنفسك أم ما فيه تأخير
فاستقدرِ الله خيراً وارضَيَنَ به ... فبينما العسرُ إذ دارت مياسر
وبينما المرءُ في الأحياءِ مغتبطاً ... إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير