قال وهب: وفيما ناجى الله به موسى عليه السلام: لا تُعْجبكما زينة ولا ما مُتِّعَ به، ولا إلى ذلك أعينكما فإنها زهرة الحياة الدنيا وزينة المترَفين. ولو شئت أن أزيِّنكما بزينة يعلم فرعون حين ينظر إليها أن مقدرته تَعجِز عما اوتيتما فعلتُ، ولكنّي أرغب بكما عن ذلك وأزوِيه عنكما؛ وكذلك أفعل بأوليائي، إني لأذودُهم عن نعيمها ورخائها كما يذود الراعي الشفيقُ غنَمه عن مراتع الهَلَكَة، وإني لأحميهم عيشَها وسَلوتها كما يُجنَبُ الراعي الشفيقُ إبلَه مباركَ العُر، وما ذاك لهَوَانهم علي، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالماً موفَّراً لم يَكْلِمْه الطمعُ ولم يطبعه الهوى. واعلم أنه لن يتزينُ العبادُ بزينة أبلغَ فيما عندي من الزهد في الدنيا، إنما هي زينة الأبرار عندي، وأنْقَى ما تَزَينَ به العبادُ في عيني عليهم منها، لباسٌ يُعرَفون به من السكينة والخضوع، سيماهم النحولُ والسجود، أولئك أوليائي حقاً. فإذا لقيتَهم فاخفِضْ لهم جناحَك، وذلل لهم قلبك ولسانَك.
وأعلم أنه من أهان لي ولياً أو أخافه، فقد بارزني بالمحاربة وبادأني وعرَّضني لنفسه ودعاني إليها، وأنا أسرع شيء إلى نُصرة أولياء، أفيظنّ الذي يحاربني فيهم أنه يقوم لي! أم يظنّ الذي يعاديني فيهم أنه يعجِزني! أم يظن الذي يبادرني إليهم أنه يسبقني أو يفوتني! كيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة، لا أكل نصرَهم إلى غيري! ما أوحى الله به إلى موسى عليه السلام بطور سيناء وفي التوراة: أوحى اللّه تعالى إلى موسى عليه السلام بطور سيناء: يا موسى بن عمران صاحب جبل لُبنان، أنت عبدي وأنا إلهك الديان؛ لا تستذلَّ الفقير، ولا تَغبِط الغني بشيء يسير؛ وكن عند ذكري خاشعاً، وعند تلاوة وحيي طَائعاً؛ أسْمِعْني لذاذةَ التوراة بصوتٍ حزين.
ما أوحى الله تعالى به إلى عيسى عليه السلام وفيما أوحى اللّه إلى عيسى عليه السلام: أنزلْني من نفسك كهمِّك، واجعلْني ذخرَك في مَعَادك، وتقرًبْ إلي بالنوافل أدْنِك، وتوكَل عليَّ أكفِك، ولا تَوَلَّ غيري فأخذُلك؛ إصْبر على البلاء، وارضَ بالقضاء، وكن كمسَرّتي فيك، فإنّ مَسرّتي أن أطاعِ، وأحْي ذكري بلسانك، وليكن وُدي في قلبك تيقَظْ لي في ساعات الغفلة؛ وكن راهباً لي وراغباَ إلي. أمِتْ قلبَك بالخشية؛ راع الليلَ لتحري مَسَرّتي، واظمأ لي نهارَك لليوم الذي عندي؛ نافسْ في الخيرات جُهدك. قُمْ في الخليقة بعدلي، واحكم فيهم بنصيحتي، فقد أنزلتُ عليك شفاءَ وساوِس ما في الصدور من مرض الشيطان، وجلاءَ الأبصارِ من غِشاء الكَلال؛ ولا تكن حِلْساً كأنك مقبورٌ وأنت حيّ تتنفَس. إكحَلْ عينيك بمُلمولِ الحزن إذا ضحِك البطّالون. إبكِ على نفسك أيام الحياة بكاءَ مَنْ قد ودّع الأهلَ وقَلَى الدنيا، وتركَ اللذاتِ لأهلها، وارتفعتْ رغبتُه فيما عند إلهه. طوبَى لك إن نالك ما وعدتُ الصابرين تَرجَ من الدنيا يوماً فيوماً، وارضَ بالبُلْغَة، ولْيكفِك منها الخَشِنُ. تذوَّق مذاقةَ ما قد خلا أين طعمُه! وما لم يأت أين لذّتُه! لو رأت عيناك ما أعددتُ لأوليائي لذاب قلبك وزهِقَتْ نفسُك شوقاً إليه.
فيما قال عيسى للحواريين