وبهذا الإسناد أن الله تعالى قال لِشَعْيا: قم في قومك أوح على لسانك؛ فلما قام شَعْيا أنطق اللُه لسانَه بالوحي، فقال: يا سماءُ اسْتَمِعي، يا أرضُ أنْصِتي، فأنصتت الأرضُ واستمعت السماءُ؛ فقال: إن اللّه يقول لكم: إني استقبلتُ بني إسرائيلَ بالكرامةِ وهم كالغنم الضائعةِ لا راعيَ لها، فآويتُ شاذَّتَها، وجمعتُ ضالَتها، وجبرتُ كسِيرها، وداويتُ مريضَها، وأسمنتُ مهزولَها؛ فبطِرْت فتناطحتْ، فقتل بعضُها بعضاً حتى لم يبقَ منها عظمٌ صحيح يُجبر إليه آخرُ كسيرٌ. إن الحمار مما يتذكر ارِيَّه الذي شَبع عليه فيراجعه، وإنّ الثور مما يتذكر مَرْجَه الذي سَمِنَ فيه فينتابه، وإنّ البعير مما يتذكر وطنَه الذي نُتِج فيه فينرع إليه، وإن هؤلاء القومَ لا يذكرون أنَى جاءهم الخيرُ وهم أهلُ الألباب وأهل العقول، ليسوا بإبلِ ولا بقر ولا حميرٍ. وإني ضاربٌ لهم مثلاً فاسمعوه: قل لهم: كيف تروْن في أرضٍ كانت زماناً من زمانها خربةً مواتاً لا حَرْثَ فيها، وكان لها رب قويٌ حليم، فأقبل عليها بالعِمارة وكرِه أن تخرَبَ أرضُه وهو قويٌ وأن يقال له ضيًع وهو عليم، فأحاط عليها سياجاً وشَيَد فيها قصراً وأنبط فيها نهراً وصنف فيها غِراساً من الزيتون والرُمان والنخيل والأعناب وألوان الثمار، وولَّى ذلك ذا رأيٍ وهمةٍ حفيظَاَ قوياً أميناً؛ فلما جاء إبَّانُ إثمارها أثمرت خَرًوباُ، ما كنتم قائلين له ومشيرين عليه؟ قالوا: كنا نقول: بئست الأرض أرضُك، ونشير عليه أن يقلَع سياجها، ويهدِمَ قصرها، ويدفِنَ نهرها، ويحرِق غراسَها حتى تعودَ خربِةً مَواتاً لا عُمرانَ فيها. قال الله تعالى: قل لهم، إن السياجَ ذمتي، وإن القصرَ شريعتي، وإن النهر كتابي، وإن القيم نبييّ، وإن الغرسَ مثَلٌ لهم، والخروبَ أعمالُهم الخبيثةُ، وإني قد قضيتُ عليهم قضاءَهم على أنفسهم، يتقربون إلي بذبح الغنم والبقر وليس ينالني اللحمُ ولا آكُلُه، ويَدَعون أن يتقربوا إليّ بالتقوى والكف عن ذبح الأنفس التي حرَّمتُها ويُشيِّدون لي البيوتَ ويُزَوًقون لي المساجدَة وأي حاجة بي إلى تشييد البيوت ولستُ أسكنُها، وإلى تزويق المساجد ولست أدخلُها؟ إنما أمرتُ برفعها لأذكَرَ فيها وأسَبًحَ، ويُنَجسون أنفسهم وعقولَهم وقلوبهم ويخرًبونها، يقولون: لو كان يقدِرُ على أن يجمعَ ألفتَنا لجمعَها، ولو كان يقدر على أن يُفقه قلوبنا لفقهها. فاعمِدْ إلى عودَين يابسَينِ فاكتب فيهما كتاباً ثمَّ ائتِ ناديَهم أجمعَ ما يكونون، فقل للعودين: إن اللّه يأمركما أن تعودا عُوداَ واحداً؛ فقال لهما ذلك، فاختلطا فصارا عُوداً واحداً، وصار الكتاب في طَرَفَي العودِ كتاباً واحداً: يا معشر القبائل، إن اللّه يقول لكم: إني قدرت على أن أفقَه العيدان اليابسة وعلى أن أؤلِّفَ بينها؛ فكيف لا أقدِرُ على أن أجمعَ ألْفَتكمِ إن شئت! أم كيف لا أقدِر على أن أؤلَف قلوبكم! يقولون: صمنا يُرفَع صيامُنا وصلَّينا فلم تُنوَّرْ صَلاتُنا وزكَينا فلم تَزْك زكاتُنا، ودعَونا بمثل حنين الحمام، و بمثل عُواء الذئاب، في كلّ ذلك لا يُسمعُ منّا ولا يُستجابُ لنا. قال اللّه تبارك وتعالى: " سلهم ذلك وما الذي منعني أن أجيبَهم؟ ألستُ أسْمَعَ السامعين وأبصَر الناظرين وأقرَبَ المجيبين وأرحم الراحمين! ألِأنّ خزائني فَنِيَتْ؟ كيف ويداي مبسوطتان بالخير انفِق كيف أشاء! أم لأن ذاتَ يدي قلتْ. كيف ومفاتيح الخير بيدي لا يفتحها ولا يُغلقها غيري! أم لأن رحمتي ضاقت؟ كيف ورحمتي وسِعتْ كل شيء، وإنما يتراحم بفضلها المتراحمون! أم لأنّ البخل يعتريني. كيف وأنا النفاح بالخيرات أجوَدُ مَن أعطَى وأكرمُ من سُئل! ولكن كيف أرفعُ صيامَهم وهم يَلْبِسونه بقول الزور ويتقوّون عليه بطُعْمة الحرام! كيف أنوِّر صلاتَهم وقلوبهم صاغيَةٌ إلى من يُحَادّني وينتهك محارمي أم كيف أستجيب دعاءهم وإنما هو قولٌ بألسنتهم والعملُ في ذلك بعيد! أم كيف تزكو صدقاتهم وهي من أموال غيرهم! إنما أجزِي عليها المغصوبين. وإن من علامة رضاي رضا المساكين.
في ما ناجى الله تعالى به موسى عليه السلام