وفيما قال للحواريين: بحقٍّ أقول لكم: إنّ شجر الأرض بمطر السماء تعيش وتزكو، وكذلك القلوب بنور الحكمة تُبصِر وتَهتدي؛ بحق أقول لكم: إنه من ليس عليه دَينٌ أروَحُ وأقل همًّا ممن عليه دين وإن حَسُنَ قضاؤه، وكذلك من لم يعمل الخطيئةَ أروحُ وأقلُّ هَمًّا ممن عمل بها وإن حسُنْت توبتُه. إن الدابة تزداد على كثرة الرياضة خيراً، وقلوبكم لا تزداد على كثرة الموعظة إلا قسوةً. إنّ الجسدَ إذا صلَح كفاه القليل من الطعام، وإنّ القلب إذا صح كفاه القليل من الحكمة. كم مِن سراجٍ قد أطفأته الريحُ، وكم من عابد قد أفسده العُجْب. يا بني إسرائيل، استمعوا قولي فإن مَثَل من يستمع قولي ثم يعمَلُ به مثلُ رجلٍ حكيم أسس بنيانَه على الصفا، فمطرت السماء وسالت الأوديةُ وضربته الرياحُ فثبت بنيانُه ولم يَخِر، وَمَثل الذي يستمع قولي ثم لا يعمَل بهَ مثل رجلٍ سفيهٍ أسَسَ بنيانَه على الرمل، فمطرت السماءُ وسالت الأوديةُ وهاجت الريحً فضربته فسقط بنيانُه. يا بني إسرائيل، ما يُغنِي عن الأعمَى سَعَةُ نورِ الشمس وهو لا يُبصرها! وما يغني عن العالم كثرةُ العلم وهو لا يعمَل به!. بحق أقول لكم: إن قائلَ الحكمة وسامعَها شريكان، وأوْلاهما بها من حقّقها بعمله. بحقٍّ أقول لكم: لو وجدتم سراجاً يتوقد بالقَطِران في ليلة مظلمةٍ لاستضأتم بنوره ولم يمنعكم منه نتْنُ قَطرَانه، فكذلك ينبغي لكم أن تأخذوا الحكمةَ ممن وجدتموها عنده قول عيسى عليه السلام لأصحابه بلغني عن محمد بن فُضَيل عن عمران بن سليم قال: بلغني أنّ عيسى بن مريم قال لأصحابه: إن كنتم إخواني وأصحابي فوطنوا أنفسَكم على العداوة والبغضاء من الناس؛ إنكم لا تُدرِكون ما تطلبون إلا بترك ما تشتهون، ولا تنالون ما تُحبون إلا بالصبر على ما تكرهون. إياكم والنَظْرَة، فإنها تزرع في القلب الشهوةَ. طوبى لمن كان بصرُه في قلبه ولم يكن قلبه في بصره! بين عيسى عليه السلام وأصحابه قال: وبلغني أن عيسى خرج على أصحابه وعليه جُبًةٌ من صوف وكساءٌ وتبانٌ حافياً مجزوز الرأس والشاربين باكياً شَعِثاً مصفَرً اللون من الجوع يابسَ الشًفتين من العطش، طويلَ شعر الصدر والذراعين والساقين؛ فقال: السلام عليكم يا بني إسرائيل أنا الذي أنزلتُ الدنيا منزلَها، ولا عجَب ولا فخر، أتدرون أين بيتي؟ قالوا: أين بيتك يا رُوحَ الله؟ قال: بيتي المساجد، وطيبي الماء وإدامي الجوعُ، ودابتي رجلي، وسراجي بالليل القمرُ، وصِلاتي في الشتاء مشارقُ الشمس وطعامي ما تيسَّر، وفاكهتي ورَيْحاني بُقُولُ الأرض، ولباسي الصوفُ، وشِعَاري الخوف، وجُلَسا الزَمْنى والمساكينُ، أصبحُ ليس لي شيء، وأمْسي وليس لي شيء، وأنا طيب النفس غنيّ مُكْثر فمن أغنى وأربح مني.
وقرأت في بعض الكتب: عبدي! ما يزال مَلَكٌ كريم قد صعِد إليِّ منك بعمل قبيح، أتقرب إليك بالنّعم، وتتمقَّتً إليَّ بالمعاصي خيري إليك نازلٌ، وشرك إليّ صاعدٌ.
وفي التوراة: لعلّكَ يا إسرائيلُ إذا أنت خرجتَ من البرية فدخلتَ الأرضَ المقدسة، أرض بني آبائك إبراهيم وإسحاقَ، فإنها تَفِيضُ بُراً وشعيراً ولبناً وعسلاً، فَورِثتَ بيوتاً بناها غيرُك وعصرتَ كروماً غرسها غيرك، فأكلتَ وشربتَ وتنعَمتَ بشحم لُبابِ القمح، ضربتَ بيدك إلىِ صدرك ورمحتَ كما ترمح الدابّةُ برجليها، وقلتَ: بشدّتي وبقوّتي وبأسي ورِثتُ هذه الأرض وغلَبتُ أهلَها، ونسِيتَ نعمتي عليك! فأقذف الرُّعبَ في صدرك إذا أنت لقِيتَ عدوك، وإذا هبت الريحُ فتقعقعِ لها ورِقُ الشجر انهزمتَ، فأقِل رجالكَ، وأرمَلُ نساءك، وأيتَم أبناءك، وأجعلُ السماءَ عليك نُحاسَاً والأرض حديداً، فلا السماءُ تُمطِر ولا الأرضُ تُنبِت، واقِلُّ لك البركةَ حتى تجتمع نِسوةٌ عَشْرٌ يختبزن في تَنُّورٍ واحدٍ .
لوهب بن منبه بلغني عن عبد الرحمن المحاربيّ عن جعفر بن بُرْقان قال: بلغني عن وهب بن منبه قال: أجُد في الكتاب أنّ قوماً يتديّنون لغير العبادة، ويختِلون الدنيا بعمل الآخرة، يلبسون مُسُوك الضأن على قلوب الذئاب، ألسنتهم أحلى من العسل وأنفُسهم أمرّ من الصبر، ألي يغترُّون! أم إياي يخادعون! أقسمتُ لأبعثن عليهم فتنةً يعود الحليمُ فيها حَيْران.