يا خليلي ساعة لا تريما ... وعلى ذي صبابة فأقيما
ما مررنا بقصر زينب إلا ... فضح الدمع سرّي المكتوما
فقال مان: والله لولا رهبة الأمير، لأضفت إلى هذين البيتين بيتين، لا يردان على سمع ذي لب فيصدرا إلا عن استحسان منه لهما. فقال الأمير محمد: الرغبة في حسن ما تأتي به حائلة عن كل رهبة فقال ما بدا لك. فقال:
ظبية كالهلال لو تلحظ الصخ ... ر بطرفٍ لغادرته هشيماً
وإذا ما تبسمت خلت ما يب ... دو من الثغر لؤلؤاً منظوما
قال محمد: أحسنت يا مان ! فأجز هذين البيتين:
لم تطب اللذات إلا بما ... دارت به ألفاظ بنّوسة
غنت غناءً عبرة ... كانت بحسن الصبر محبوسة
وكيف صبر النفس عن غادة ... تظلمها إن قلت: طاووسة
وجرت ان شبهتها بائةً ... في جنة الفردوس مغروسة
وغير عدل ان عدلنا بها ... لؤلؤةً في البحر مغموسة
جلّت عن الوصف فما فكرة ... تدركها بالنعت محسوسة
فقالت بنوسة: قد وجب شكري يا مان ! فاعدك دهرك، وعطف عليك إلفك، وقارنك سرورك، وفارقك محذورك، والله يديم لنا ولك من ببقائه اجتمع شملنا، وطاب يومنا. ثم قال مان:
مدمن الإغضاء موصول ... ومديم المتب مملول
ليس لي خلّ فيقطعني ... فارقت نفسي الأباطيل
أنا موسول بنعمة من ... حبله بالحمد موسول
أنا مشمول بمنة من ... منّه في الخلق مبذول
أنا مغبوط بزورة من ... ربعه بالجود مأهول
ثم أومأ إليه الحسن ان قم، فنهض وهو يقول:
ملك عز النظير له ... زانه الغرّ البهاليل
طاهري في مواكيه ... عرفة في الناس مبذول
دم من يشقى بصارمه ... مع هبوب الريح مطلول
فلما خرج قال محمد: ليست خساسة المرء باتضاع حاله، ولا ينبو العين عن ناظره، بل يهذبه جوهره الذي الأدب مركب فيه. وما أخطأ صالح ابن عبد القدوس حيث يقول:
لا يعجبنك من يصون ثيابه ... حذر الغبار وعرضه مبذول
ولربما افتقر الفتى فرأيته ... دنس الثياب وعرضه مغسول
وأنشد أبو محمد بن الحسين الوضاحي لمان:
لما رأيت البدر في ... أُفق السماء قد استقلا
ورأيت قرن الشمس في ... أُفق الغروب وقد تدلى
شبهت ذاك وهذه ... فأرى شبيههما أجلا
وجه الحبيب إذا بدا ... وقفا الحبيب إذا تولى
رزام المجنون
قال علي بن عبد الملك: كان بطرسوس مجنون اسمه رزام. وكان إذا خرج المعسكر خرج مع الناس وأخذ سيفاً ودرقة، ولا يزال يلقي أعداء الدين، فإذا حصل في الحرب زال عنه جنونه، فإذا انقضى القتال، فعاد إلى البلد، رجع إلى جنونه.
مجانين الاعراب
جساس الموسوس
قال الأصمعي: قال عمي: دخلت بعض أحياء العرب فرأيت شيخاً موسوساً يهذي، وقد اجتمع إليه الناس. فقلت من هذا ؟ فقالوا جساس الموسوس لا يزال ينام ليله ونهاره، وربما ينتبه فزعاً مرعوباً فيجلس ساعةً، ثم يصيح ويهيم على وجهه، ثم يعود إلى نومه. فبت ليلةً هناك، وهو على الحال الذي وصفوه، فلما أصبحنا أتيته. فقلت ما اسمك يا شيخ ؟ أنت أنوم من فهد. مالك تنام دهرك ؟ فقال النوم لا تبعة علي فيه، وفي مجالستك ومجالسة أضرابك تبعات. قلت وأي تبعة عليك في مجالستي ؟ قال اشتغل بك عمن أنشأني، ثم أنشأ يقول:
لقد أغنيت عن هذا السؤال ... وعما أنت فيه من المقال
فإن كنت الغداة تريد قولاً ... فما فيه رضى مولى الموالي
ثم عدا هائماً على وجهه في تلك الرمال قائلاً: ما أكثر فضول أهل الحضر !.
أوفى البدوي
قال المدايني: كان بمكة مجنون يقال له أوفى البدوي من مجانين الاعراب وكان يصلي الليل كله، فإذا أحس بالصبح رمى بطرفه إلى السماء وأنشأ يقول:
ربّ مكحول بمحلول الأرق ... قلبه وقف بنيران الحرق
فكره في اللّه في أوقاته ... وبه يفتح فاه ان نطق
مجنون من بني سعد