أصبحت منك على شفا جرفٍ ... متعرضاً لموارد التلف
وأراك نحوي غير ملتفٍ ... محرفاً عن غير منحرف
يا من أطال بهجرة أسفي ... أسفي عليك أشد من تلفي
قال: وقلت لغورك يوماً أخبرني باحسن ما قلت في الحب ؟ قال:
كتمت جنوني وهو في القلب كامنٌ ... فلما استوى والحب أغلبه الحبّ
وقلبي والجسم الصحيح مذيبه ... فلما ذاب الجسم ذلّ له القلب
فجسمي نحيل للجنون وللهوى ... فهذا له نهب وهذا له نهب
قال جعفر بن إسماعيل: أُتى غورك بطبيب يعالجه، فقال الطبيب: لو تركتني لعالجتك وأصلحتك. فأنشأ غورك يقول:
إعلم وأيقن أيها المتكلم ... ما بي اجلّ من الجنون وأعظم
أنا عاشق فإن استطعت لعاشق ... برءاً مننت به فأنت محكم
حسبي عذابي في الهوى حسبي به ... إذ من أهيم به يصدّ ويصرم
هيهات ! أنت بغير دائي عالم ... وسواك بالداء الذي بي أعلم
دائي رسيس قد تضمنه الهوى ... تحت الجوانح ناره تتضرم
وله أيضاً:
هلموا انظروا ما أورث الحبّ انله ... أُحذركم شرّ الهوى وعواقبه
وأغرى بنفسي الشوق والهم والاسى ... فأرقني بالليل أرعى كواكبه
عباس المجنون
قال محمد بن المبارك: صعدت جبل لبنان فإذا برجل عليه جبة من صوف مكتوب عليها: لا يباع ولا يوهب. قد ائتزر بمأزر الخشوع، وارتدى برداء الورع، وتعمم بعمامة التوكل. فلما رآني استخفى وراء شجرة بلوط، فناشدته الله أن يظهر فظهر. فقلت كيف تصبر على الوحدة في هذه القفار ؟ فضحك وأنشأ يقول:
يا حبيب القلوب من لي سواكا ... إرحم اليوم مذنباً قد أتاكا
أنت سؤلي ومنيتي وسروري ... قد أبى القلب أن يحب سواكا
يا مرادي وسيدي واعتمادي ... طال شوقي متى يكون لقاكا
ليس سؤلي من الجنان نعيم ... غير اني أريدها لأراكا
ثم غاب، وعدت مراراً فلم أره. فسألت عنه فقيل لي إنه العباس المجنون له اكلتان في كل شهر من ثمر الشجر والعشب.
مان الموسوس
واسمه محمد بن القاسم
قال بكار بن علي: عزم صاحب الشرطة علي فالتمس مني من يناديه فأشرت إليه بمان الموسوس فأُحضر، فأمر به فأُدخل الحمام، وأُلبس ثياباً ثم أُدخل عليه. فقال السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله. فقال وعليك السلام يا مان ! قد آن لك أن تزورنا على شوقنا إليك. فقال أصلح الله الأمير الشوق شديد والمزار بعيد والود عنيد، والحجاب صعب والبواب فظ، ولو سهل لنا لأذن لسهلت علينا الزيارة. فقال محمد بن عبد الله بن طاهر صاحب الشرطة للحسن بن طالوت: ما أحسن ما يلفظ في تسهيل الاذن ! فأمره بالجلوس فجلس. ودعا محمد بجارية تسمي بنوسة جارية ابن المقري وكان يحب سماعها، وكان أول ما غنت به:
ولست بناس إذ غدوا فتحملوا ... دموعي على الخدين من شدة الوجد
وقولي وقد زالت بعيني حمولهم ... بواكر تحدي لا تكن آخر العهد
فقال مان: أتأذن لي يا سيدي ؟ قال في أي شيء يا مان ؟ قال في استحسان ما أسمع، فقال أذنت لك فقل ما أحببت، فقال أحسنت ! بحق الأمير إلا زدت هذين البيتين:
وكيف أُناجي الفكر والدمع حائر ... بمقلة موقوف على الصبر والجهد
ولم يعدني هذا الأمير بعدله ... على ظالم قد لج في الهجر والصدّ
فقال له محمد: ومن أي شيء استعديت يا مان ؟ فاستحيا وقال: لا من ظلم أيها الأمير ولكن الطرب حرك شوقاً كامناً فظهر. وهل بعد الشيب من صبوة ؟ ثم غنت بنوسة بشعر أبي العتاهية:
حجبوها عن الرياح لأني ... قلت للريح بلغيها السلاما
لو رضو بالحجاب هان ولكن ... منعوها يوم الرحيل الكلاما
فقال مان ما كان على قائل هذا الشعر لو زاد فيه هذين البيتين:
فتنفست ثم قلت لطيفي ... ويك لو زرت طيفها إلماما
حبها بالسلام سرّاً وإلا ... منعوها لشقوتي أن تناما
قال محمد: أحسنت يا مان ! ثم غنت بنوسة بشعر أبي نواس: