قال ابن أبي فديك أجدبت المدينة في سنة واشتد حال أهلها وانكشف حال قوم كانوا مستورين بها. فخرجوا يدعون وإذا أبو نصر جالس. قد نكس رأسه فقلت يا أبا نصر ! أما ترى ما في أهل حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال بلى. قلت أفلا تدعو ؟ لعل الله ان يفرج عنهم. قال بلى. وحول وجهه إلى القبلة. وقال اجلس بجنبي فجلست. فانكب وعفر وجهه في التراب. ثم رفع رأسه وقال: يا فارج الهم. وكاشف الغم. ومجيب دعوة المضطرين. رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما. صلى الله عليه وآله وسلم على محمد وعلى آل محمد. وفرج ما أصبح فيه أهل حرم نبيك. ثم غلب فذهب. فقمت من عنده فوالله ما خرجت من السوق حتى رأيت الشمس قد تغطت. فرفعت رأسي فإذا رجل من جراد أرى سوادهن في الهواء فما زلن يسقطن وأنا واقف انظر حتى ملأت المدينة. فاشتغل كل قوم ما في دارهم من الجراد فحشوا الأجواب وطحنوا وملحوا وملأ الناس الجرار والجناب والقواصير والبواقي جانب بيوتهم. ثم باض بعد ثلاثة أيام فانتشر في أعراض المدينة لم يخرج منها إلى غيرها ثم ما مرت بنا ثلاثة إلى أن جاءنا عشر سفاين إلى التجار فإذا هي في الوقت الذي دعا فيه أبو نصر. فرجع السعر إلى أرخص ما كان. ورجعت حال الناس إلى أحسن ما كانت. فأتيت أبا نصر وهو في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت يا أبا نصر ! ألا ترى إلى بركة دعائك ؟ فقال لا آله إلا الله هذه رحمة الله التي وسعت كل شيء. وقال ابن أبي فديك كان أبو نصر يخرج كل جمعة فيدخل السوق فيقف على مربعة ويقول أيها الناس ! اتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون إن العبد إذا مات صحبه أهله وماله وعمله. فإذا وضع في قبره رجع أهله وماله وبقي عمله فاختروا لأنفسكم ما يؤنسكم في قبوركم رحمكم الله. ثم لا يزال يفعل ذلك في مربعة مربعة حتى يأتي مصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يمضي إلى الجمعة فلا يخرج إلا للطهور حتى يصلي العشاء الأخيرة.
حيان بن خيثم المجنون
قال عطاء السلمي: مررت ببعض أصدقائي ظاهر البلد فناداني وسألني ان أبر قسمة وناولني سكراً وسمناً ونشاءً وقال اصلحه لي. فأمرت من أصلحه. ثم أخذته تحت كسائي أمر به إليه، إذا أنا بحيان بن خيثم المجنون فقال ما معك ؟ فقلت شيء اصلحته لبعض رفقائي. فقال اكشف عنه فكشفت فقال ارفعه فان نفوسنا نفرت من أن تأكله. قلت فما تريد ؟ قال فالوذج العارفين قلت وما هو ؟ قال خذ قند الصفا. وسمن البها. وزعفران الرضا. وماء المراقبة. وانصب طنجير القلق. وأوقد تحتها حطب الحرق. واعقده باصطام الحياء. ونار الشوق. حتى يزيد زبد الصبر. وترغو رغوة التوكل. ثم ابسط على صحاف الأنس. ثم كله. قلت فإذا أكلته. قال تضج أوجاع القلوب إلى مداويها. وتشكو ألم الضمير إلى مبليها. وتبكي العيون عن محبة مبكيها شوقاً إلى تأنسه محبتها. ثم أنشد فقال:
فهام بحب اللّه في القفر سابحاً ... وحطت على سوق القدوم رواحله
نهاه النهى فارتاح للخوف باطنه ... وخاف وعيذ اللّه فالحق شاغله
فلما جرى في القلب ماء يقينه ... فأنبت زرعاً لم تجف سنابله
طوى دهره بالصوم حتى كأنما ... عليه يمينٌ إنه لا يزايله
فعاد بحزن قد جري في ضميره ... تنوح به أعضاؤه ومفاصله
يسرّ الفتى ما كان قدّم من تقى ... إذا عرف الداء الذي هو قاتله
قال عطاء: ومررت به يوماً وهو في المقبرة واقف على قبر يخاطبه، فقلت من تخاطب ؟ قال: صاحب هذا القبر فإنه كان صديقي ورفيقي، قلت: وما قلت ؟ قال أقول.
يا صاحب القبر يا من كان يأنس بي ... وكان يكثر في الدنيا موآتاتي
قلت وما جاوبك ؟ قال قال:
شغلت عنك بشيءٍ لست واصفه ... من الغموم ولوعاتٍ وبرحات
قال عطاء: مر بي يوماً في أزقة البصرة فقلت له كيف أصبحت ؟ قال
أصبحت لا أعرف ما صباحي ... من الهموم لا ولا رواحي
أفرط في جرمي وفي اجتراحي ... فصرت كالبازي بلا حناح
همام