ومما يناسب لطيفة قاضي القضاة شمس الدين، ما نقلته من روض الجليس ونزهة الأنيس حكي عن سليمان بن محمد المهدي الصقلي قال: كان بأفريقية رجل نبيه شاعر، وكان يهوى غلاماً جميلا من غلمانه فأشتد كلفه به وكان الغلام يتجنى عليه، ويعرض عنه كثيراً، فبينما هو ذات ليلة وقد انفرد بنفسه ليشرب الخمر إذ ذكر محبوبه فجرى بخاطره ما يفعله به من التجني فزاد سكره، وقام من الفور وقد غلب عليه الغرام وسكر المدام، فأخذ قبس نار وجعله عند باب الغلام ليحرق عليه داره فلما دارت النار بالباب بادر الناس باطفائها واعتقلوه فلما أصبحوا نهضوا به إلى القاضي فأعلموه بفعله فقال له القاضي: لأي شيء أحرقت باب هذا الغلام فأنشد على الفور:
لما تمادى على بعادي ... وأضرم النار في فؤادي
ولم أجد من هواه بداً ... ولا معيناً على السهاد
حملت نفسي على وقوفي ... ببابه وقفة الجواد
فطار من بعض نار قلبي ... أقلٌّ في الوصف من زناد
فاحرق الباب دون علمي ... ولم يكن ذاك من مرادي
قال فاستطرف القاضي واقعته واستملح شعره ورق لحكاية حاله وتحمل عنه ما أفسده من باب الغلام وأطلقه.
ومما يناسب هذه اللطائف قيل: إنه رفع إلى المأمون أن حائكاً يعمل السنة كلها لا يتعطل في عيد ولا جمعة، فإذا ظهر الورد طوى عمله وغرد بصوت عال:
طاب الزمان وجاء الورد فاصطحبوا ... ما دام للورد أزهارٌ وأنوار
فإذا شرب مع ندمائه على الورد غنى:
إشرب على الورد من حمراءَ صافيةٍ ... شهراً وعشراً وخمساً بعدها عددا
ولا يزالون في صبوح وغبوق ما بقيت وردة فإنه انقضى الورد عاد إلى عمله وغرد بصوت عال:
فإن يبقني ربيِّ إلى الرود أصطبح ... وإن مت والهفي على الورد والخمر
سألت إله العرش جلَّ جلاله ... يواصل قلبي في غبوقٍ إلى الحشر
فقال المأمون لقد نظر هذا الرجل إلى الورد بعين جليلة فينبغي أن نعينه على هذه المروءة فأمر أن يدفع له في كل سنة عشر آلاف درهم في زمن الورد.
ومن اللطائف ما حكي عن مجير الدين الخياط الدمشقي قيل: إنه كان يهوى غلاماً من أولاد الجند فشرب مجير الدين في بعض الليالي وسكر فوقع في الطريق فمر الغلام عليه بشمعة وهو راكب فرآه في الليل مطروحا على الطريق فوقع عليه بالشمعة ونزل فأقعده ومسح وجهه فسقط من الشمعة نقطة على وجهه ففتح عينيه فرأى محبوبه على رأسه فاستيقظ وأنشد:
يا محرقاً بالنار وجه محبِّه ... مهلاً فإن مدامعي تطفيه
أحرق بها جسدي وكل جوارحي ... وأحذر على قلبي فإنك فيه
ومن اللطائف ما حكاه الأصمعي قال: مررت بكناس يكنس كنيفاً وهو يغني ويقول:
أضاعوني وأي فتىً أضاعوا ... ليوم كريهةٍ وسداد ثغر
فقلت له أما سداد الثغر فلا علم لنا كيف أنت فيه وأما سداد الكُنُف فمعلوم. قال الأصمعي: وكنت حديث السن فأردت العبث به فأعرض عني مليا ثم أقبل علي وأنشد:
وأكرمُ نفسي إنني إن أهنتها ... وحقك لم تُكرمْ على أحدٍ بعدي
فقلت وأي كرامة حصلت لها منك وما يكون من الهوان أكثر مما أهنتها به. فقال: بل لا والله من الهوان ما هو أكثر وأعظم مما أنا فيه، فقلت له: وما هو فقال الحاجة إليك وإلى أمثالك، فقال: فانصرفت وأنا أخزي الناس ذكرت بقول الكناس غريم الأصمعي ما يضارع ذلك أعني قوله:
أضاعوني وأيَّ فتىً أضاعوا ... ليوم كريهةٍ وسداد ثغر
قيل: إنه كان لأبي حنيفة رضي الله عنه جار إسكاف بالكوفة يعمل نهاره أجمع فإذا جنه الليل، رجع إلى منزله بلحم وسمك فيطبخ اللحم ويشوي السمك فإذا دب فيه السكر أنشد:
أضاعوني وأيَّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهةٍ وسداد ثغر