وخلصني من يدي عشقه ... ظلامٌ على خده حندسه
كنست فؤادي من حبه ... ولحيته كانت المكنسه
قلت ما برح الشيخ صلاح الدين غفر الله له يذوق تقليداً كقوله عن ابن سناء الملك لما استعمل في هذه الصيغة المشتملة على الهجو بشاعة المكنسة ولم يتعظ بنهي الفاضل ولا أرعوى ولا ازدجر عما قبحه بل غلب عليه الهوى أما نقد الفاضل على ابن سناء الملك بوضع المكنسة على وجهة معشوقته التي ليس للعذار بوجنتها شعور فنقد صحيح وأما وضع مكنسة اللحية على وجنة من طلعت لحيته وكان جائراً على عاشقه وسبكها هنا في قالب الهجو فهو نوع من المرقص والمطرب ولو وقف الفاضل على هذه المكنسة لأعدها لأبياته انتهى.
ومن لطائف المنقول ما حكي عن الشيخ مجد الدين ابن دقيق والعيد والد قاضي القضاة تقي الدين تغمدهما الله برحمته ورضوانه وهو أن الشيخ مجد الدين المشار إليه كان كثير الإحسان إلى أصحابه يسعى لهم على قدر استحقاقهم فيمن يصلح للحكم وفيمن يصلح للعدالة فجاءه بعض طلبته وشكا إليه رقة الحال وكثرة الضرورة فقال له أكتب قصتك وأنا أتحدث مع الوالد فكتب ذلك الطالب المملوك فلان يقبل الأرض وينهي أنه فقير ومظرور بالظاء القائمة وقليل الحض بالضاد وناولها للشيخ فلما قرأها تبسم وقال يا فقير سبحان الله ضرك قائم وحظك ساقط انتهى.
ومن لطائف المنقول عن قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان، رحمه الله تعالى، أنه كان يهوى بعض أولاد الملوك، وله فيه الأشعار الرائقة يقال: إن أول يوم زاره بسط له الطرحة وقال ما عندي أعز من هذه طأ عليها ولما فشا أمرهما وعلم به أهل منعوه من الركوب فكتب إليه:
يا سادتي إني قنعت وحقكم ... في حبكم منكم بأيسر مطلب
إن لم تجودوا بالوصال تعطفاً ... ورأيتم هجري وفرط تجنبي
لا تمنعوا عيني القريحة أن ترى ... يوم الخميس جمالكم في الموكب
لو كنت تعلم يا حبيبي ما الذي ... ألقاه من كمدٍ إذاً لم تركب
لرحمتني ورثيت لي من حالةٍ ... لولاك لم يك حملها من مذهبي
قسما بوجهك وهو بدر طالعٌ ... وبليل طرتك التي كالغيهب
وبقامةٍ لك كالقضيب ركبتُ من ... أخطارها في الحبِّ أصعبَ مركب
لو لم أكن في رتبةٍ أرعى لها ال ... عهد القديم صيانةً للمنصب
لهتكت ستري في هواك ولذلي ... خلع العذار ولجَّ فيك مؤنِّبي
لكن خشيت بأن تقول عواذلي ... قد جنَّ هذا الشيخ في هذا الصبي
فأرحم فديتُك حُرقةً قد قاربت ... كشف القناع بحق ذياك النبي
قال الشيخ جمال الدين بن عبد القادر التبريزي الذي يهواه القاضي شمس الدين بن خلكان رحمه الله الملك المسعود بن الملك الظاهر وكان قد تيمه حبه وكنت أنام عنده بالعادلية فتحدثنا في بعض الليالي إلى أن ذهب الناس، فقال لي: نم أنت ههنا وألقى عليَّ فروة قرظ وقام يدور حول بركة العادلية ويقول في دورانه:
أنا والله هالكٌ ... آيسٌ من سلامتي
أو أرى القامة التي ... قد أقامت قيامتي
وقيل إن قاضي القضاة شمس الدين المشار إليه رحمه الله سأل بعض أهل دمشق المحروسة وكان المسؤول من خواص أصحابه عن ترجمته عند أهل دمشق، فاستعفاه من ذلك فألح عليه؟ فقال: أما العلم والفضل فهم مجموعون عليه وأما النسب فيدعون فيه الأدعاء ويقولون: إن مولانا يأكل الحشيش ويحب الغلمان.
فقال أما النسب والكذب فيه فهذا نوع من الهذيان، ولو أردت أن أنتسب إلى العباس، أو إلى علي ابن أبي طالب، أو إلى أحمد من الصحابة، لأجازوا ذلك وأما النسب إلى قوم لم يبق منهم بقية وأصلهم فرس مجوس فما فيه فائدة وأما الحشيشة فلكل ارتكاب محرم وإذا كان ولا بد فكنت أشرب الخمر فإنه ألذ وأما محبة الغلمان فإلى غد أجيبك عن المسألة انتهى.