ولا يزال يشرب ويردد البيت إلى أن يغلبه السكر وينام، وكان الإمام أبو حنيفة يصلي الليل كله، ويسمع حديثه وإنشاده ففقد صوته بعض الليالي فسأل عنه فقيل: أخذه العسس منذ ثلاثة أيام وهو محبوس فصلى الإمام الفجر وركب بغلته ومشى واستأذن على الأمير فقال أئذنوا له واقبلوا به راكبا حتى يطأ البساط فلما دخل على الأمير أجلسه مكانه وقال ما حاجة الإمام فقال لي جار إسكاف أخذه العسس منذ ثلاثة أيام فتأمر بتخليته فقال نعم وكل من أخذ تلك الليل إلى يومنا هذا ثم أمر بتخليته وتخليتهم أجمعين فركب الإمام وتبعه جاره الإسكاف فلما وصل إلى داره قال له الإمام أبو حنيفة أترانا أضعناك قال لا بل حفظت ورعيت جزاك الله خيراً عن صحبة الجوار ورعايته ولله عليَّ أن لا أشرب بعدها خمرا فتاب من يومه ولم يعد إلى ما كان عليه انتهى.
ومما يناسب هذه اللطائف ما ذكره الحريري في كتابه الموسوم بتوشيح البيان نقل أن أحمد بن المعدل كان يجد بأخيه عبد الصمد وجدا عظيما على تباين طريقيهما لأن أحمد كان صواما قواماً وكان عبد الصمد سكيراً خمورياً وكانا يسكنان داراً واحدة ينزل أحمد في غرفة أعلاها وعبد الصمد في أسفلها فدعا عبد الصمد ليلة جماعة من ندمائه وأخذ في القصف والعزف حتى منعوا أحمد الورد ونغصوا عليه التهجد فاطلع عليهم وقال أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض فرفع عبد الصمد رأسه وقال وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وذكرت بها الاقتباس الذي خلب القلوب هنا بحسن موقعه اقتباسا خلب قلوب الناس لعظم موقعه وما ذاك إلا أن الحاكم الفاطمي على ما ذكر، لما بني المسجد الجامع بالقاهرة المعزية المجاور لباب الفتوح قيل إنه فسد حاله في آخر أمره وادعى الألوهية وكتب بسم الله الرحمن الرحيم وجمع الناس إلى الإيمان به وبذل لهم نفائس وكان ذلك في فصل الصيف والذباب يتراكم على الحاكم والخدام تدفعه ولا يندفع فقرأ في ذلك الوقت بعض القراء وكان حسن الصوت يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يسنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز. فاضطربت الأمة لعظم وقوع هذه الآية الشريفة في حكاية الحال، حتى كأن الله أنزلها تكذيباً للحاكم فيما أدعاه وسقط الحاكم من فوق سريره خوفا من أن يقتل وولى هارباً، وأخذ في استجلاب ذلك الرجل إلى أن اطمأن إليه فجهزه رسولا إلى بعض الجزائر وأمر بإغراقه ورؤي بعد ذلك في المنام فقيل له ما وجدت فقال ما قصر معي صاحب السفينة أرسى بي على باب الجنة ومن الاقتباسات التي وقعت للمتأخرين في أحسن المواقع المتعلقة بحكاية الحال ما سمعت وشهدت حكاية حالة بالجامع الأموي وما ذاك إلا أن قاضي القضاة علاء الدين أبا البقاء الشافعي، رحمه الله تعالى، كان قد عزل من وظيفة قضاء القضاة بدمشق المحروسة فعاد إلى وظيفته والبس التشريف من قلعة دمشق وحضر إلى الجامع على العادة، ومعه أخوه قاضي القضاة بدر الدين الشافعي بالديار المصرية فاستفتح الشيخ معين الدين الضرير المقرىء وقرأ قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا إلى آخر الآية فحصل بالجامع الأموي ترنمٌ صفق له النسر بجناحية.
وروى المرزبان بإسناده أن المجنون خرج مع أصحاب له يمتار من وادي القرى فمر بجبلي نعمان فقالوا إن هذين جبلا نعمان وقد كانت ليلى تنزلهما قال فأي ريح تهب من نحو أرضها إلى هذا المكان فقالوا الصبا فقال والله لا أبرح حتى تهب الصبا فأقام في ناحية من الجبل ومضوا فامتاروا له ولهم ثم أتوا فحبسهم حتى هبت الصبا ورحل معهم وفي ذلك يقول:
أيا جبلي نعمان بالله خليا ... نسيم الصبا يخلص إلي نسيمها
أجد بردها أو تشف مني حرارةٌ ... على كبدٍ لم يبق إلا صميمها
فإن الصبا ريحٌ إذا ما تنسمت ... على نفس مهمومٍ تجلت همومها
وضمن البيت الأول الشيخ صفي الدين الحلي في مليح اسمه نعمان
أقول وقد عانقت نعمان ليلةً ... بنور محياه أنارَ أديمها
وقد أرسلت إلياه نحوي فسوةً ... يروح كرب المستهام شميمها
أيا جبلي نعمان بالله خليا ... نسيم الصبا يخلص إلي نسيمها